كتاب وأراء

القدس .. من اللنبي إلى ترامب

في اليوم السادس من شهر ديسمبر من عام 1917 احتلت القوات البريطانية بقيادة الجنرال ادموند اللنبي مدينة القدس من القوات العثمانية. يومها ردد اللنبي عبارته المشهورة «الآن انتهت الحروب الصليبية».
بعد مرور مائة عام تماماً، في السادس من شهر ديسمبر 2017، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.
لم يكن التوقيت صدفة.
قبل الاحتلال البريطاني كانت القدس مدينة من مدن فلسطين. لم تكن هناك دولة حتى تكون القدس عاصمة لها. البريطانيون هم الذين أعلنوها عاصمة لفلسطين بعد ذلك وطوال ثلاثة عقود من الاحتلال البريطاني.
خلال هذه الفترة فتحت بريطانيا الأبواب أمام الهجرات اليهودية إلى القدس وإلى مناطق أخرى من فلسطين تنفيذاً لمضمون وعد بلفور.
استمر هذا الوضع حتى نشوب الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1947 أقرّت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية على أن يكون للقدس نظام خاص نظراً لوضعها الخاص.
رفض العرب التقسيم. وفي اليوم التالي أعلنت إسرائيل استقلالها. أدى ذلك إلى تقسيم القدس إلى غربية (يهودية)، وشرقية (عربية مسيحية– إسلامية). وفي عام 1950 ضمّت إسرائيل القسم الغربي اليها، وسيطر الأردن على القسم الشرقي بما في ذلك المدينة القديمة.
في عام 1967 احتلّت إسرائيل القسم الشرقي، وأكدت الأمم المتحدة الطابع الاحتلالي للمدينة في القرارين 242 و338.
ولعل أسوأ ما في قرار ترامب هو الأسباب الموجبة له التي ذكرها ترامب. وهي أسباب منسوبة إلى العهد القديم من كتب التوراة وتدّعي ان الله منح هذه الأرض (فلسطين) لليهود. وهي ادعاءات مفبركة وصفها البابا شنودة بأنها تجعل من الله سبحانه وتعالى سمسار عقارات.
لقد جعلت إسرائيل من المادة المفبركة قاعدة وأساساً. حتى ان دافيد بن غوريون رئيس أول حكومة إسرائيلية قال: «لا إسرائيل من دون القدس. ولا قدس من دون الهيكل (هيكل سليمان)». وهذا يعني انه بعد ضمّ القدس المحتلة إلى بقية الأرض الفلسطينية المحتلة التي تقوم عليها إسرائيل، فإن الخطوة التالية هي تهديم المسجد الأقصى لإقامة الهيكل. وهو هدف لا ينكره الإسرائيليون.
توجد في الولايات المتحدة حركة صهيونية– مسيحانية تؤمن بالعودة الثانية للمسيح. وبأن لهذه العودة شروطاً أهمها بناء الهيكل اليهودي الذي سوف يعلن المسيح عودته منه، كما فعل في المرة الأولى. وكذلك تؤمن هذه الحركة بوجوب تهديم المسجد الأقصى لبناء الهيكل على أنقاضه. وهي حركة تضم أكثر من سبعين مليون أميركي وتتمتع بنفوذ سياسي كبير. وكان من أقطابها الرئيسان السابقان رونالد ريغان وجورج بوش الابن. وتقع هذه الحركة في أساس القوى الناخبة للرئيس ترامب والمؤيدة له.
تلتقي الصهيونية اليهودية، والصهيونية المسيحانية على الإيمان بنبوءات وردت في سفر حزقيال، تقول انه يسبق عودة المسيح (وبالنسبة لليهود يسبق الظهور الأول للمسيح) صراع دام مع الكفرة (أي المسلمين والمسيحيين الذين لا يؤمنون بهذه النظريات كالكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الارثوذكسية والعديد من الكنائس الانجيلية أيضاً)، وان هذا الصراع يصل في ذروته إلى ما يسمى «هرمجيدون». وذلك نسبة إلى سهل «مجيدو» الذي يقع بين القدس وعسقلان حيث تدور رحى المعارك. وانه بنتيجة هذا الصراع سوف يفنى الكفرة جميعاً، ثم يهبط المسيح إلى الأرض ليحكم العالم ألف سنة، يسمونها «الألفية»، وبعدها تقوم القيامة.
خرافات؟. اضغاث أحلام؟. لا.. انها ثوابت إيمانية تحوّل المستحيل إلى ممكن. من وعد بلفور.. 1917 إلى اعلان ترامب 2017.
أما نحن فإننا نحوّل الممكن إلى مستحيل!

بقلم : محمد السماك

محمد السماك