كتاب وأراء

في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

فى 10 ديسمبر 1948، أي منذ 96 عاما بالضبط أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة وثيقة مهمة أطلقت عليها «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». وقد وافق على هذا الإعلان 48 دولة ولم تعترض عليه أي من الدول الأعضاء، بينما امتنعت 8 دول عن التصويت هي دول الكتلة الشرقية الست في ذلك الوقت بالإضافة إلى جنوب إفريقيا والمملكة العربية السعودية، واشتمل على ثلاثين مادة، تضمنت معظم الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويعتبر هذا الإعلان هو الأصل الذي تفرعت عنه كل الحقوق التي تم تفصيلها والإضافة إليها في المعاهدات والاتفاقيات أو الإعلانات التي صدرت في وقت لاحق.
تجدر الإشارة هنا إلى أن النضال ضد الظلم والقهر بكل أشكالهما هو سمة من سمات الإنسان في كل مكان أو زمان، بصرف النظر عن الدائرة الحضارية التي ينتمى إليها. وقد أسهمت شعوب العالم، عبر مسيرتها النضالية، في بلورة بعد أو آخر من أبعاد «حقوق الإنسان»، وسجلتها أحيانا في «إعلانات» أو«وثائق» أو«دساتير». لذا يعتبر تراث حقوق الإنسان تراثا عالمياً بكل معنى الكلمة، هو نتاج التفاعل والاحتكاك الخصب بين كل الثقافات والحضارات، ومن ثم فإن ادعاء حضارة بعينها احتكار حق التحدث عن هذا التراث باعتبارها أصل هذه الحقوق، لهو ادعاء زائف تماما. ولاستجلاء الحقيقة يمكن التمييز بين أربع موجات أو أجيال مختلفة، تشكل في مجموعها مجمل التراث العالمي الحالي لحقوق الإنسان:
فهناك جيل أول عكسته مجموعة الحقوق السياسية والمدنية وكان إسهام الثورات الليبرالية في بلورتها هو الأكثر بروزا. فقد صدر عن هذه الثورات وثائق عديدة مهمة، منها: وثيقة «الماجنا كارتا» التي صدرت في انجلترا عام 1215، ووثيقة الحقوق التي أصدرتها الثورة الإنجليزية عام 1688، وثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة الصادرة عام 1776، ووثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن التي صدرت عن الجمعية التأسيسية الفرنسية بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789.
وهناك جيل ثان عكسته مجموعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي بلورتها الثورات والحركات السياسية ذات التوجه الاشتراكي، خاصة الثورة البلشفية التي اندلعت في امبراطورية روسيا القيصرية عام 1917 وما تلتها من ثورات استلهمت مبادئها في أماكن كثيرة من العالم. وقد ركزت هذه المجموعة من حقوق الإنسان على حاجاته الأساسية كالمأكل والملبس والرعاية الصحية والتعليم وغيرها، واعتبرت أن عدم إشباعها يفرغ الحقوق السياسية والمدنية من مضمونها ويحولها إلى مجرد شعارات جوفاء.
وهناك جيل ثالث: عكسته مجموعة الحقوق الخاصة بالشعوب، مثل حق تقرير المصير وحق الشعوب في اختيار الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتلاءم مع ثقافتها وحضارتها وفى السيطرة على مواردها الطبيعية وحقها في التنمية...الخ. وقد أسهمت ثورات وحركات التحرر الوطني أكثر من غيرها في بلورة هذا الجيل من الحقوق. واعتبرت أنه يصعب في غيابها تمتع الإنسان الفرد بأي حقوق، سياسية أو مدنية كانت أم اقتصادية واجتماعية. فلا وجود لمواطن حر في وطن مستعمر أو محتل أو تابع.
وهناك أخيرا جيل رابع: عكسته مجموعة الحقوق التي يطلق عليها «حقوق التضامن» أو «حقوق الانتساب» إلى الكون الذي يفترض أنه يواجه مصيرا واحدا. فالتطور العلمي والتكنولوجي المذهل، وما صاحبه من تطور مماثل في وسائل الاتصال والمواصلات، أدى إلى تعرض جميع الشعوب لأخطار التلوث البيئي والإرهاب والجريمة المنظمة وغيرها من الأخطار. وفي كون متعولم على هذا النحو، أصبح لكل الدول والشعوب حقوق متساوية في السلام، وفي بيئة نظيفة، وفى نصيب متوازن من ثمار العلم والتكنولوجيا والمعلومات في مختلف المجالات. وقد أسهمت حركات سياسية واجتماعية مختلفة في كل دول العالم في بلورة الكثير من مضامين هذه الحقوق، أبرزها حركات «الخضر» وحركات السلام العالمي وغيرها من الحركات المشابهة.
بعد 70 عاما من إصدار «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، ماتزال هذه الحقوق تنتهك في كل مكان، بواسطة حكام الدول النامية والدول المتقدمة على حد سواء.
بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة