كتاب وأراء

الرمــز الـدينــي

في السابق كنا نذهب إلى المساجد لأداء الصلوات أكثر إخلاصا لشعيرة الصلاة ذاتها من الآن، كنا نذهب لأداء صلاة الجمعة الأسبوعية التي هي عيد المسلمين، بشعور أكثر إخلاصا لمكانتها، كنا نتصرف بتوافق ديني واجتماعي أكثر صفاء ونقاء، المسجد الأقرب للبيت، والخطبة الأقل تكلفا، لا نبحث عن أسماء ولا عن ألقاب حتى نهرول طلبا لها بينما يختفي طلب الفريضة نفسها في جوانب الذاكرة.. أذكر أن الإذاعة تعيد خطبة الشيخ ابن محمود رحمه الله ليستمع إليها من يريد ذلك في العصر أو المغرب، أخذ النشاط الدعوي بعدا آخر، بعد توسع وزارة الأوقاف في جلب الدعاة من هنا وهناك ومع الوقت ومع تطور وسائل الاتصال الاجتماعي وزيادة القنوات الفضائية برز نوع جديد من الدعاة هم الدعاة النجوم، فكما كانت الحركة الفنية إبان أوجها حيث لكل نجم سينمائي رابطة مشجعين، أصبح لكل شيخ رابطة متابعين بمئات الآلاف، بل بعضهم بالملايين.. وأصبحت الصحف تنشر مواعيدهم في المساجد، فظهر الرمز الديني، في مجتمع كان يؤدي حياته وشعائره بلا رموز.. فالشيخ الفلاني في مسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب فيذهب إليه متابعوه، والشيخ الآخر في مسجد المدينة التعليمية فتسد المنافذ من كثرة الوافدين لسماعه، في حين أن الجمعة السابقة كان المكان شبه خال، وهلم جرا.. خطورة الرمز الديني أكثر من خطورة الرمز السياسي، لأنه يتحرك في دائرة «المقدس» وهو الدين بينما الآخر يتحرك في دائرة «المدنس» وهي الدنيا، فيمكن التخلص من الرمز السياسي بسهولة بينما الرمز الديني متى ما تكون يصبح من الصعب التخلص منه، وإذا ما تحالف الرمزان أصبح المجتمع في دائرة مغلقة.. ما أود الإشارة إليه أننا بحاجة إلى تكريس رمزية العلم والثقافة في ذهنية أبنائنا، العلم كمنهج لا كأشخاص، والثقافة كهوية لا كرموز.. قضية النشاط الدعوي كما ذكرت في مقالي السابق، قضية محورية لا يمكن للمنهج التعليمي والتربوي أن ينجح دونما يكون هناك توافق مع دور وزارة الأوقاف في جانبها الدعوي بالذات، خطورة الرمز الديني في الفرق الإسلامية الأخرى واضحة للجميع، ونحن لسنا بعيدين مع الوقت من تكريسها بدون وعي.. إذا جاء رمضان جاءت الأسماء، تماما كما تأتي المسلسلات وأبطالها، فليأت من يأتي، بلا تكريس إعلامي وضجة صحفية.. عودوا بالفريضة إلى مكانها قبل أن يختطفها «الاسم»، احفظوا للمسجد مكانته بعيدا عن الرمز. أخاف على جيلنا الحالي من الشباب الذين يتخطفهم «الواتساب» فهو متدين ولله الحمد بل أكثر تدينا من جيلنا في السبعينيات والثمانينيات، لكنه مزدحم جدا بما يتلقاه من كثرة للوعظ الديني قد يؤدي به إلى الشلل، ومفتون إلى درجة كبيرة بمشايخ تويتر والواتساب، بينما مداركه العلمية في تناقص وعدم تركيز.. علينا أن نتذكر دائما، أن الدين نزل ليخدم الإنسان في معيشته في الدنيا لا أن يخدمه الإنسان، الدين لا يحتاج لمن يخدمه فهو مكتمل، بل يحتاج لمن يدرك.
بقلم : عبدالعزيز محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر