كتاب وأراء

السطو على زهرة المدائن

لا يظن عقلاء السياسة أن أية تحركات عربية مكثفة للرد على تنفيذ الرئيس الأميركي ترامب وعده بنقل سفارة بلاده إلى زهرة المدائن يمكن ان تجدي نفعا، فكل هذه التحركات بمثابة زوبعة في فنجان، فعالمنا العربي صار منطقة رخوة سياسيا، ولا تملك بانقساماتها وتشرذمها أية أوراق ضاغطة يمكن ان تعيد لبنا مسكوبا إلى سطله، ولا تسترد حقا انتزع منها في وضح النهار.
ترامب حقق هدفه ليبقى في البيت الأبيض، وربما يغطى على ما يثار حاليا حول القدس نتيجة قراره، بعملية عسكرية في جنوب شرق آسيا ضد كوريا الشمالية، تحدث دويا كبيرا وضجيجا عاليا، أو بحدث آخر مدو يدبر في الشرق الأوسط، ليضرب ترامب عصفورين بحجر في وقت واحد، وليدخل التاريخ الأميركي بصفته «الرئيس الذي حقق وأنجز ما لم ينجزه سابقوه»، بل وليدخل التاريخ الإسرائيلي أيضا بصفة الحليف القوي الذي أزجى للدولة العبرية عاصمة جديدة ظلت تحلم بها، وليسكت الافواه المعارضة له في أميركا ذاتها.
غير ان الحقيقة التي لا يجب على الأمة أن تتهرب من الاعتراف بها، أنه قبل إلقاء اللوم على أحد علينا أن نلقي بااللوم على انفسنا، فالسياسات العربية، ومنها الفلسطينية، في إدارة الصراع العربي مع إسرائيل، هي أم الأسباب لفقداننا زهرة المدائن، ولا أظن ان أحدث خسائرنا، وهي من أفدح الخسائر، هي آخرها، فجراب الحاوي الإسرائيلي به العديد من المفاجآت، والعزوف الدولي الراهن عن الاحتذاء بأميركا في نقل سفارتها إلى القدس، يظن أنه مسألة وقت، وتجربتنا في امتناع دول كانت تربطنا بها صداقة حميمة عن الاعتراف بإسرائيل واقامة علاقات دبلوماسية معها، ثم انصاعت لمصالحها، واصبحت جسورها الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل قوية جدا، هي تجربة تثبت لنا أننا نستمرئ الانخداع بنفاق الظواهر.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي