كتاب وأراء

تطبيـــع فتطويع فتطميـــع

لا يبدأ العرب عادةً شيئاً معاً ولا ينهونه غالباً يداً واحدة.. حتى شهر رمضان كثيراً ما خالفوا بعضهم في بداياته.. وإذا كان هذا يحدث في أمور ميسرة، فما بالنا في مسائل السياسة؟.. والصورة لا تحتاج إلى تفصيل.. فهم لا يبدؤون مع أميركا مثلاً حديثاً مرتباً بينهم أولاً، وإنما يتسابقون لينقلوا إليها صوراً يسممون بها بعضهم البعض.. ولا يضعون أيديهم معاً لحل أزمات تهددهم، وإنما يبدؤون فرقاً وينتهون جماعات ومحاور.. حتى العدو التاريخي الذي مثلته إسرائيل يتبين تباعاً أنهم لم يكونوا منذ 1948 على قلب رجل واحد بشأنه..
فمنهم من أعلن للإنجليز عدم ممانعته في أن يكون لليهود المساكين وطن قومي في فلسطين.. ومنهم من بادر بالتواصل معها سراً بعد قيامها برغم ما كان يجري من حروب.. ومنهم من بدأ التطبيع معها منفرداً قبل أن تتبلور أفقاً مطمئنة للسلام.
ولم تجد إسرائيل صعوبة في أن تتربح من فارق البدايات بين العرب.. طبّعت علانيةً مثلاً مع دولتين وجنت منهما كثيراً.. لكنها طبّعت وجنت أكثر من دول لحقت بقطار التطبيع متأخراً وما زالت تتحرج في الكشف عن تفاصيل علاقاتها بإسرائيل.. والواضح من التزاحم العربي على التطبيع المنفرد أن المحصلة كانت لمصلحة إسرائيل. فالعرب اليوم أضعف أمامها عما كانوا عليه مثلاً في 1979 عندما جرى توقيع اتفاقية كامب ديفيد.. فباسم التطبيع أصرت إسرائيل على ترتيبات أمنية أضعفت قبضة دول مثل مصر على سيناء والأردن على غور الأردن. وباسم شتى مجالات التطبيع وسعت إسرائيل شبكة علاقاتها مع معظم الدول العربية دون أن تستجيب لمقررات الشرعية الدولية وتقبل بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
وكل ما جرى للعرب بالذات بعد توقيع اتفاق أوسلو في 1993 كان يفصل بين التطبيع والتطويع.. كان المتصور عربياً أن يجري تطويع إسرائيل بالتلويح لها بورقة التطبيع.. لكن ما جرى هو العكس.. فبدعم سافر وضغط قاسٍ وقياسي من أميركا حولت إسرائيل التطبيع مع الدول العربية إلى وسيلة للتطويع.. باتت قوائم الإرهاب التي تكتبها هي التي تتبناها كثير من الدول العربية.. وباتت قيادات عربية لا تقوى على الإمساك بالسلطة، إلا إذا أوعزت إسرائيل إلى الولايات المتحدة بأن تقبل بها.
باتت مشروعات التكامل الإقليمي ورؤية الشرق الأوسط الجديد تكتب بيد خبراء إسرائيليين، وأصبح كثير من العرب يرددون ما يبدأ في إسرائيل. فحزب الله إرهابي وإيران عدو تاريخي وحماس حركة إجرامية.. بات العرب يتنافسون على التطبيع فوقعوا في فخ التطويع.. اختلفوا في تسعينيات القرن الماضي على من يكون له قصب السبق في التعاون الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن يكون وسيطاً بين إسرائيل والفلسطينيين.. ومن يكون الأقرب للولايات المتحدة عبر إرضاء حليفتها المدللة إسرائيل.
كان التسارع في التطبيع يقود إلى مزيد من التطويع.. لكن الخوف والكبرياء لم يسمحا للدول العربية بتسمية ما جرى لها تطويعاً.. مع أن بعض مراكز البحوث المنصفة والشخصيات الدولية المستقلة زادت وسمته تركيعاً.. فإسرائيل تحولت من خصم للعرب إلى قائد للنظام الإقليمي الذي يعيشون فيه.. هي التي تمسك بالخيوط.. من التفوق في السلاح إلى التميز في علاقاتها بالقوى العظمى إلى قدراتها الاستخباراتية والأمنية الفائقة إلى تقديم نفسها كبوابة مضمونة للولايات المتحدة التي بدون رضائها يمكن بسهولة أن تتزعزع كثير من العروش العربية.
وقد وصل التطويع إلى مداه قبل أيام عندما احتقر دونالد ترامب مشاعر كل العرب والمسلمين ليرضى إسرائيل فوقع قراراً بنقل سفارة بلاده إلى القدس في اختبار يقيس به مدى استعداد العرب لمزيد من التطويع.. وإلى الآن لا تزيد التصريحات التي صدرت عن صناع القرار العربي عما يمكن أن يقوله أي مواطن عادي.. تصريحات تنم عن ضعف وقابلية لمزيد من التطويع.. وهذا هو الخطر بعينه.. فالتطويع كلما تواصل دفع إلى تطميع إسرائيل أكثر في كل الأطراف العربية، خاصةً أن نقل السفارة إلى القدس ليس نهاية الأمر وإنما خطوة بسيطة مما يطلق عليه صفقة القرن.
والتطميع في العرب لا يمكن أن يتوقف إلا إذا توقف العرب أولاً عن التطبيع.. فبوقفه قد يبدأ علاج اعتياد الإسرائيليين والأميركان على استعداد العرب المستمر للتطويع.. وبدون ذلك سيزداد التطميع وتتسع دائرة الشرور.. فصفقة القرن أعدها ترامب بإشراف إسرائيلي وبشكل ينتظرون فيه من العرب أن يقبلوا بالدنية لا أن يُعاملوا بندية.. الأمر جد خطير والشحنة العقائدية التي أطلقها ترامب بقرار نقل السفارة سيفضي إلى تطميع إسرائيل لتنفيذ خطوات أخرى تضر بأراضٍ وخرائط وتوازنات ليس لها أول ولا آخر.. فإما الخروج من زمن الغفلة أو الانزلاق إلى زمن الضياع.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات