كتاب وأراء

قرار النواح السياسي

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقل سفارته من تل أبيب إلى القدس المحتلة، والاعتراف بالقدس عاصمة للدولة «الإسرائيلية» لا يُغيّر من مكانةِ المدينةِ المقدسةِ، فالقدس أكبر من أن يُغيّر أيِ قرارٍ من مكانتها. وتاريخها أعرق من شطبهِ على يدِ طرفٍ خارجي حتى في ظل الاختلال المُريع والمُفجع في موازين القوى على الأرض بين الشعب الفلسطيني والاحتلال.
المُدن لا تسقُطُ ولا تذهَبُ هكذا، والتاريخ العريق والراسخ لشعبٍ أصيل على أرضِ وطنه، لا يُمكن شطبه بجرةِ قلمٍ، أو بكرنفالٍ سياسي... لكن يقيناً أن هذه الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أظهَرَت، وللمرةِ المليون عُقمِ الخطابِ السياسيِ اللفظي الاستجدائيِ العربيِ والإسلاميِ لواشنطن وللغرب عموماً.
نصرة القدس، وإسناد ودعم صمود مواطنيها المرابطين على أرضها، وفي أزقتها وشوارعها، ومنازلها التاريخية، التي تفوحُ منها رائحة التاريخ، وعُمقِ الأصالةِ الوطنيةِ والقوميةِ للشعب العربي الفلسطيني، لا يتم بحفلات الندب واللطم، وحفلات النواح السياسي... فواشنطن ودولة الاحتلال ترقُصُ طرباً مع نواح النائحين، وتقول لهم الطموا، وشقوا الصدور واندبوا، كالندابات، فكل هذا لن يُغيّر في قرارنا.
إذا أردنا نصرة القدس قولاً وعملاً، علينا أن نؤمن بأن إنقاذ القدس غير مُمكن بالخطابات والبلاغة البيانية، وإذا كان العرب والمسلمون عموماً يقومون بجزءٍ من واجباتهم الكبيرةِ تجاه فلسطين وشعبها، فإن حجم اللعبةِ والمخططاتِ «الإسرائيليةِ» لا يزال يتطلب دوراً أعلى وأكبر من هذا الدور، ما يستدعي الدعوة إلى تحرك أقوى وأكثر فاعلية، دون أن نظل نمارس جلد الذات أو نتحدث عن التقصير الذي لا يستطيع أحد أن ينفيه. فنصرة الشعب الفلسطيني ودعمه في صموده وفي مواجهته للمخططات «الإسرائيلية»، يجب ألا تتوقف عند البيانات، ويجب ألا يكون ختامها تصريحات الشجب والتنديد. فالأقصى والقدس اليوم، لا يحتاجان إلى مزيد من الإبداع الخطابي، وكل ما يحتاجه الأقصى هو لحظة صدقٍ وعملٍ مباشر على كلِ المستوياتِ.
إن واقع القدس الراهن، بعد القرار الأميركي الأخير، وفي ظل استمرار زحف أخطبوط التهويد والاستيطان، يجب أن يُقابل الآن قبل الغد... الآن قبل الغد... باستراتيجية عربية وإسلامية حقيقية، ترى في القدس مدينة مُقدسة عربية فلسطينية، وأن أهلها يُشكلون جزءًا من الشعب الفلسطيني، والتوقف عن تركهم في مواجهة مصيرهم وحدهم.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان