كتاب وأراء

علامة الصدق

أن تكتب هو أن تفكر وأنت تتحرك وأنت تأكل وأنت تنام وأنت تتحدث وأنت تقرأ، وأن تكتب معناه أن تكتشف ما حولك، أن تراقب وتلاحظ، وان تكون مع الآخرين، لا من اجلك وإنما من أجلهم، من أجل من يتابعون ما تكتب، ولعل هذه المعضلة هي التي دفعت الكثيرين من الأدباء للجهر بمعاناتهم التي قطعا لن يستبدلوها بأية معاناة أخرى، ومنهم الكاتب المسرحي الأميركي «يوجين اونيل» الذي نشر مقالة طويلة خاطب فيها القارئ:- «لماذا تشعر بالحاجة لقراءة ما أكتب؟ لماذا تقرأ لي؟ ما نوع الغذاء الذي أقدمه لك؟».
إن الإجابات عن كل هذه الأسئلة توجد في داخلك، ولعلها لا تخرج عن إجابتين، إما بهدف التسلية أو التعليم، والقارئ الأكثر تواضعا قد يقول إنه يبحث عن إجابة لأسئلة لا يستطيع هو الإجابة عنها، أما القارئ الذي يبحث عن المتعة ونسيان متاعب حياته اليومية ومشاكلها، ويرغب في الاستمتاع بالعمل المقروء أو المرئي فسوف يتهمك بأنك ممل ومثير للضجر إن حاولت ان تعظه مباشرة وتعطيه دروسا أخلاقية، والمأساة أنه ما أن يكتب أحد سوناتا أو رواية أو كلمات أغنية أو عملا تليفزيونيا حتى يندفع الصحفيون متسائلين عن رأي المؤلف في الاشتراكية والرأسمالية والخير والشر والرياضيات ورحلات الفضاء ونظرية النسبية والحب وكرة القدم والطهي والسياسة، لقد سألني أحد الصحفيين ذات مرة عن مفهومي حول الحياة والموت، وكنت عندئذ أهبط من قارب وأحمل حقيبة في كل يد، وضعت الحقيبتين على الأرض ومسحت العرق عن جبهتي وطلبت منه أن يمنحني عشرين سنة أفكر فيها في الأجابة التي لا أضمن مع هذا أنني أستطيع الوصول إليها في المدة المطلوبة، والتقطت حقيبتي ومضيت وأنا أشعر انني خيبت أمله، لا يحمل كل الناس مفتاحا للكون في جيوبهم أو حقائبهم أو عقولهم، وإذا ما سألني كاتب أو مؤلف لماذا أقرأ أو أذهب للمسرح لأجبت بأنني أفعل هذا لا لأحصل على بعض الأجوبة وإنما لأكتشف اسئلة جديدة، ولا لكي أحصل على المعرفة وإنما ببساطة تامة لأتعرف على الشخص أو الشيء الذي يدور العمل الفني حوله، إن الكاتب يضيق بالأسئلة التي توجه له، لأنه يوجهها لنفسه مع الكثير غيرها، ويخشى ألا يعرفها أبداَ، كل إنسان بمن في ذلك الكاتب أيضا، يتنفس بحرية بعيدا عن الصحفيين وضباط الشرطة والفضوليين، وهو يسأل نفسه أحياناً لماذا يتنفس هكذا؟ وأحيانا لا يفعل، وسواء وجه السؤال لنفسه أم لم يفعل فهو لا يستطيع أن يكف عن التنفس، وكذلك الكاتب لا يستطيع أن يكف عن الكتابة، إن كتابة الأعمال الأدبية من روايات وقصص ومذكرات ومقالات وسيناريوهات ومسرحيات تحتاج لشيء وحيد وبسيط.. وهو الإخلاص، إن الصوت المخلص يدوي عالياً ويصل إلى الأسماع، بعبارة أخرى إن للأخلاص صوتا قويا، ومع ذلك فوصول صوتك إلى أسماع الناس لا يعني بالضرورة أنهم سيصغون إليك، والعكس هو الصحيح، ربما في البدايات عندما تقول شيئا حقيقياً وصادماً قد لا يصدقك الناس لأنهم لا يريدون
ذلك، أو قد يبدو الصدق احياناً غير معبر وفارغاً أو عارياً، فيعجزون عن التقاط العمق الحقيقي له، لقد أعماهم وصدمهم، قد يرونه فيما بعد، قد يعترفون بقيمته فيما بعد، وقد لا يفعلون، لأن ما هو صادق صدق الأصالة. وماهو حقيقي يبدو غريباً وغير عادي، لقد فتح صوتك ثغرة في نسيج العادات الذهنية الجماعية، لذا عندما تُتهم بأنك كاذب أو تبالغ فهذا دليل على أنك مخلص.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري