كتاب وأراء

عندما تتحول فلسطين إلى «تفصيل هامشي»

بوسع حكومات عربية ودول أجنبية وحتى سكان المريخ أنفسهم ممارسة كل أنواع الضغوط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يبدو أضعف من أي وقت مضى لدفعه إلى قبول «خازوق القرن» الذي يتم الإعداد له لتصفية القضية الفلسطينية بشكل لم يتصوره حتى أكثر المتشائمين، ورغم أن عباس كما تقول التسريبات أبدى شجاعة يشكر عليها برفضه مقترحات تصفية القضية الفلسطينية التي أتت مع «باقة كاملة» من التهديدات والمحفزات، إلا أن أي شخص يملك قدرا ضئيلا من الحس السياسي والوعي الاجتماعي يدرك أن هذه الصفقة لا يمكن أن يكتب لها النجاح حتى لو قدمها عباس للشعب الفلسطيني بوصفها حصيلة إجماع عربي وبكونها أفضل ما يمكن الحصول عليه الآن ومستقبلا.
لو طلبت من أي فلسطيني اليوم أن يختار بين القبول بخطة جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي – التي تتبناها أطراف عربية بشراسة مذهلة – والتي تلغي أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية مترابطة وتحرم الفلسطينيين من القدس والمياه والأمن وتلغي حق عودة اللاجئين وبين أن يبقى رازحا تحت نير الاحتلال طوال عمره لأختار شرف مقاومة الاحتلال على جريمة بيع الأرض والعرض والدين لمجرد أن أطرافا أخرى تملك رؤى جديدة للمنطقة ولمصالحها تعتبر القضية الفلسطينية مجرد تفصيل هامشي لابد من طيه نهائيا مهما كان الثمن.
بالنسبة للفلسطيني الذي يعيش للجيل الرابع أو الخامس في المنافي مرارة اللجوء والإهانة والفقر بل وحتى تحميله مسؤولية كل الإخفاقات العربية وكل الألاعيب السياسية، فإن ما يتم طرحه الآن هو بالنسبة له أشبه بحكم إعدام متكامل الأركان، إذ سيطلب من الفلسطيني أن يبقى لاجئا طوال حياته بلا هوية أو دولة وسيكون لزاما عليه أن ينسى القدس وأن يبيع دماء عشرات الآلاف من الشهداء الذين سقطوا خلال مسيرة التحرر الوطني بكل نجاحاتها وإخفاقاتها.
بطبيعة الحال لا يوجد شيء مستبعد، وقد يأتي بعد عباس سياسي «براغماتي» على الطريقة الدحلانية يبيع كل شيء ليصبح رئيسا لدولة كرتونية، لكن المؤكد أيضا أن ذلك سيفتح أبواب الجحيم على منطقة الشرق الأوسط برمتها، لأن الفلسطيني الذي شاهد بصمت طوال عقود الكثير من العرب وهم يتاجرون بقضيته لا يمكن أن يقبل بأن تكون النهاية بأن تسوى كل مشاكلهم وتحقق طموحاتهم في الحكم والتوسع وبسط النفوذ على حساب الشعب المسكين.
أنا وكل فلسطيني سيبقى يعلم أولاده أن فلسطين بكامل ترابها ملك للعرب والمسلمين وبأن ثمة معركة حاسمة لابد من خوضها مع الصهاينة المحتلين وهي معركة وجود لا تقبل إلا النصر الحاسم.
لقد حمى الله بيت المقدس عبر التاريخ وأعادها إلى أصحابها كلما تم احتلالها، أما أصحاب «خازوق القرن» فأغلب الظن أنهم سيأكلونه بمفردهم!
بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي