كتاب وأراء

الغرب ونظرته لمسلك داعش بـ«مذبحة الروضة»

ستبقى مذبحة المصلين في يوم الجمعة، في بيت الله، بقرية الروضة في سيناء، ماثلة للأذهان لسنوات، لتسطر سجلا في تاريخ الجرائم الوحشية، التي قام فيها مضلون مغيبون عن حقيقة دينهم، بالقتل الجماعي العشوائي لمدنيين، لم يرحموا منهم حتى الأطفال. ومهما كانت ادعاءاتهم عن عقيدتهم التي يبررون بها فعلتهم، فإن الظاهر للعيان وجود أصابع أجنبية تشاركهم ما ارتكبوه. ويتمثل ذلك في أكثر من مظهر. فما قاموا به من فعل شيطاني في إحدى قرى مصر، يخالف تماماً كافة الأعراف والتقاليد المصرية.
وأمامنا بحوث ودراسات علماء الاجتماع في الخارج وفي مصر، في تشخيصهم التاريخي للشخصية المصرية، والذين اتفقوا جميعاً على وصفها بأن لها سمات ثابتة منذ آلاف السنين، أهمها التسامح ونبذ العنف.
والمظهر الآخر تشهد عليه ترسانة الأسلحة تحت أيديهم، والتي تضم المئات من سيارات الدفع الرباعي، ونوعيات من الأسلحة المتقدمة، التي لا تتوافر إلا لدول ذات ميزانيات تسليح هائلة، ووراءها إمداد بمعلومات استخبارية محترفة، وميزانية تمويل بالغة الضخامة، لا تقدر عليها بعض الدول والحكومات.
والمعروف طبقاً لمعلومات مسجلة في بحوث ومؤلفات في أميركا وأوروبا، إن هدم الدولة في منطقتنا كان هدفاً استراتيجياً مستمراً، يستخدم في تنفيذه، من أسموهم بالوكلاء المحليين. وليس أدل على كون هذه المنظمات الإرهابية ضمن هؤلاء الوكلاء المحليين، أن هدم الدولة على قمة مخططاتهم وطموحاتهم.
والدولة في مصر تتصدر أهدافهم المارقة، ونحن لم ننس بعد، الاجتماع الذي عقد عام 2003، بمقر وزارة الدفاع الأميركية. لما سمي باللجنة الاستشارية، ورأسه الصهيوني ريتشارد بيرل، المعروف بعدائه للعرب، وللفلسطينيين على وجه الخصوص، والذي نوقشت فيه فكرة هدم الدول، حسب ما قيل في هذا الاجتماع من أن العراق هو خطوة تكتيكية، تليه السعودية كخطوة استراتيجية، ثم يأتي الدور على مصر، التي ستكون الجائزة الكبرى.
وذلك لأن مصر في نظرهم، وحسب تعبيراتهم، هي محور الاستقرار والتوازن للمنطقة كلها، ويمكن منها بسهولة، توسيع خطة الهدم، إلى باقي دول المنطقة.
والآن وبعد الضربات التي قصمت ظهر داعش في سوريا والعراق، انتقل إرهابيوها إلى ليبيا، لتكون قاعدة لهم على حدود مصر. وهو ما شهدناه في محاولات التسلل المتكررة بسيارات الدفع الرباعي المحملة بالإرهابيين وبالأسلحة من كل نوع، من حدود ليبيا إلى مصر، حاملين خططا للقتل والذبح والتدمير.
كل هذا لابد أن يدفع إلى التساؤل:
إذا كانت الولايات المتحدة، ودول أوروبا، ترى أنها ضالعة في حرب ضد داعش، فهل يتفق مع هذا موقفها من منع حصول الجيش الليبي الشرعي على السلاح؟.
وإذا كنتم تحاربون داعش، ألم يبلغكم من أجهزة مخابراتكم، أن مرتكبي مذبحة الروضة في سيناء، قد رفعوا علم داعش أثناء تنفيذ جريمتهم؟
صحيح أن جميع قادة هذه الدول، أدانوا الجريمة الوحشية، وأعلنوا بوضوح تعاطفهم مع مصر، ووقوفهم معها، لكن هل تكفي المساندة العاطفية؟
ولم لا تترجم هذه المشاعر الطيبة إلى أفعال بمساندة عملية للحرب التي تقودها مصر ضد الإرهاب؟. وأنتم تملكون أحدث وسائل التعامل مع الإرهاب، وأجهزة رصدهم وملاحقتهم، حتى عن طريق الأقمار الصناعية، ولديكم وفرة من المعلومات الاستخباراتية، ما دمتم مقتنعين بأنكم في حرب على داعش، أم أن ميادين مواجهتها ليست شاملة، بل هي منتقاة؟
إن الدول الأجنبية لم تتفق للآن، على تعريف موحد للإرهاب. وبالرغم من أن لديها مؤسسات سواء كانت رسمية، أو بحثية، تمكنت على دراسة تاريخ المنظمات الإرهابية، وأقرت بأن فكر جماعة الإخوان هو المنبع الرئيسي، لبقية المنظمات الإرهابية. وهو أمر مسجل من جانب قيادات داعش، والقاعدة على وجه الخصوص. إلا أن من هذه الدول، من تصر على استبعاد الإخوان من قائمة الجماعات الإرهابية، وكأن هناك في نظرها إرهابا خبيثا، وإرهابا حميدا!!
إذا كانت هناك نية حقيقية للقضاء على الإرهاب، فإن العالم يحتاج تواً إلى تعريف موحد له، وإلى قائمة واحدة تدرج فيها جميع المنظمات الإرهابية، سواء تلك التي تحمل السلاح، أو التي تدعمها بالمال والسلاح، أو بالتحريض الإعلامي، وبالفكر، أو حتى بالتعاطف.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري