كتاب وأراء

زمن السكوت

حين يصاب شخص ما بلوثة عقلية يتكفل أقرباؤه بوضعه في مصح عقلي وقبل ذلك يخضعونه لعلاج نفسي، أما حين يصاب حاكم بجنون، فإنه يضع شعبه بأكمله في سجن، سجن لا يخرج منه سوى بموته، وليس هناك أبلغ من هذه العبارة «أشفقُ على البلد الذي ليس فيه أبطال، وأشفق أكثر على البلد الذي يحتاج إلى أبطال». وكلنا نشعر بما هو أكثر من الشفقة على بلد يحكمها ديكتاتور متسلط ومستبد يتحكم في الثروة والشعب، في العصور الماضية ظهر أكثر من ديكتاتور، وانتهوا النهاية التي يستحقونها، وخلال ذلك ظهرت الأبحاث والدراسات التي تقول إن هؤلاء الطغاة نتاج طفولتهم، لقد أصبحوا كذلك لأنهم عانوا في طفولتهم، وكأن المطلوب أن نتعاطف معهم، هتلر على سبيل المثال كان يتيما، عاش مع والدته التي اضطرت أن تعمل كغسالة في إحدى القرى لدى يهودي قاسٍ كان يضربها باستمرار أمام عين طفلها، وكان ستالين ضحية لأب مدمن على الكحول، مهمته الوحيدة في الحياة تعذيب ابنه الوحيد، وبلغ من كرهه لأبيه أنه حين أصبح ذا شأن نشر إشاعة مفادها أنه ابن غير شرعي لرحالة روسي شهير، كما أنه ابتعد عن والدته التي لم تدافع عنه مرة، ولم يرها خلال ثلاثين عاما سوى ثلاث مرات وعلى مضض، أما الدكتاتور تشاوشيسكو الذي حول رومانيا إلى معتقل كبير واعتبر كل من يجرؤ على إلقاء نكتة تمس النظام من بعيد أو قريب معارضا مصيره السجن مدى الحياة أو التصفية الجسدية، فقد كانت طفولته أيضا بائسة، حسنا ما عذر من كانت طفولتهم مترفة، ومن ولدوا وفي فمهم ملعقة من ذهب، بالتأكيد لا عذر لهم وكل تلك الدراسات التي تحاول إيجاد أعذار للظلم والقتل والإرهاب الفكري لا تشفع لهم، ولا تنجح في صرف الانتباه عن الحقيقة، حقيقتهم كطغاة وأشرار وقتلة سواء عاشوا طفولة بائسة أو طفولة سعيدة، فهناك الملايين من الفقراء واليتامى والمعدمين في العالم، والذين لم تحولهم ظروفهم الصعبة إلى وحوش بشرية،لا عذر لمن يستخدم الماضي كذريعة للقضاء على مستقبل الملايين، لقد حوّل «فرانكو» إسبانيا إلى بلد فقير، وقيل إنه حكم بإعدام 250 ألف مواطن، وفي عهده امتلئت السجون بالأحرار، وعاش معزولا عن شعبه، حتى أنه حين كان على فراش المرض وعلى وشك الموت، سمع ضجة خارج قصره، فسأل من حوله عنها، قالوا له إن هذا شعبك، فسأل: وماذا يريد شعبي. قالوا له إنهم يقولون ارحل..ارحل! فسأل ببلاهة:- وإلى أين يريد شعبي أن يرحل؟ وفي عصر الجاهلية العربية الجديدة نجد من يحتفي بالطغاة الجدد أما عن قصد وإما وهذا أمر وأدهى عن حسن نية، يصفقون لكل تفاهة يتفوهون بها، يؤيدونهم في كل قرار أحمق، يلغون عقولهم تدريجيا ويصبحون أتباعا لفكِر واحد متسلط، ومع الوقت يفكرون بأمر ويعترضون بأمر، وتصبح محاولة قول «لا» حتى في أبسط الأمور وأصغرها ممنوعة، لقد شعرت بالشفقة على مواطن خليجي أجرى مداخلة في برنامج حواري، وقال إنه يؤيد قرارا اتخذه أحد الطغاة الجدد، فسأله المقدم بخبث:لماذا الآن وبعد كل هذه السنوات؟ فرد ببساطة ودون تفكير:لأنهم سمحوا لنا بحرية الكلام في هذا الموضوع! و.. ليته ظل صامتا.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري