كتاب وأراء

هل بدأ العد العكسي بين موسكو وطهران ؟

انتقل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للعمل على تسويق الحل السياسي في سوريا. فرض «4» مناطق لخفض التوتر كناية عن وقف لإطلاق النار تغطي عمليا معظم الأراضي السورية. وأعلن انتهاء الحرب على «تنظيم «داعش» والانتصار عليه، وشاطره في ذلك وهلل له «مرشد الثورة» الإيرانية علي خامنئي وزعيم «حزب الله» اللبناني حسن نصرالله. علما ان «داعش» ارتكب قبل اسبوع آخر مجزرة له ضد مصلين في مسجد الروضة شمال سيناء.
تقع منطقة «خفض التوتر» الأولى غرب سوريا وتشمل اجزاء من محافظة درعا والقنيطرة وتمتد من مرتفعات الجولان إلى الحدود مع الأردن. وتقع تحت سيطرة قوات أردنية وقوات اميركية. المنطقة الثانية تشمل الغوطة الشرقية لدمشق وتقع تحت سيطرة قوات النظام السوري وقوات روسية وميليشيات إيرانية. والمنطقة الثالثة تضم أجزاء من محافظة حمص في وسط سوريا، والرابعة تضم محافظة ادلب التي كانت تسيطر عليها «أحرار الشام» واجزاء من محافظات اللاذقية وحماة وحلب.
مناطق «خفض التوتر» هي ثمرة اتفاق تم التوقيع عليه في استانا، في 4 مايو الماضي، بين روسيا وإيران وتركيا، من دون مشاركة أي طرف عربي ولا حتى سوري، رغم انه المعني الأول، انه اتفاق نفوذ الأقوياء على الأرض. وكان الرئيس الاميركي دونالد ترامب قد تعهد خلال حملته الرئاسية اقامة مناطق آمنة في سوريا وأعاد التأكيد عليها بعد انتخابه رئيسا.
هل انها بمثابة تمهيد لتقسيم فعلي لسوريا؟ نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف ينفي ذلك ويصف الأمر بانه «إجراء مؤقت» مدته ستة أشهر قابلة للتمديد (كلامه في الأمم المتحدة 22 سبتمبر الماضي).
الحل السياسي يعني بالتالي العودة إلى مفاوضات جنيف والانتهاء من دور استانة، والى ما تمخض عن «جنيف 1» وقرار مجلس الأمن 2254 (18 ديسمبر 2015) الذي تبعه، والذي ينص على عقد مفاوضات مباشرة بين أطراف النزاع، وقيام هيئة حكم انتقالية تشرف على انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، وهذا ما تعرفه موسكو جيدا، وتعرف ان هيئة الحكم الانتقالية تعني ان لا دور لبشار الأسد فيها. فيما قام وفد النظام، الذي وجد أمامه لأول مرة وفدا موحدا للمعارضة «المتشددة» و«المعتدلة»، بمغادرة جنيف احتجاجا على طرح مسألة تنحي الأسد خلال المرحلة الانتقالية، علما ان القيادة الروسية كانت قد مارست ضغوطا على النظام لدفعه للذهاب إلى جنيف، وهي التي أنقذت بشار من السقوط بتدخلها العسكري المفاجئ قبل سنتين (سبتمبر 2015).
من الذي يحاول دفع النظام إلى التمرد اذا؟
لا شك ان القيادة الإيرانية بدأت تتوجس من نوايا الدور الروسي الذي قبلت به أساسا على مضض، اذ لم يكن من بديل عنه لمنع انهيار النظام، هي تعي ان ليس بإمكانها ان تتدخل عسكريا، فاقتصر دورها على إرسال ميليشياتها التي ليست قادرة بطبيعة الحال ان تفرض معادلات جديدة على الأرض. وليس بإمكانها أيضا ان تقتطع حصة أو تفرض دور لطهران على طاولة المفاوضات. ملاذ طهران الوحيد للحفاظ على نفوذها ودروها هو التمسك ببقاء الأسد في السلطة، فيما موسكو تستعمله لفرض شروط التسوية التي تريد (تستدعيه ساعة تشاء!).
ما تريده القيادة الروسية يختلف بدون شك عما تريده طهران. هي تريد ان تؤمن نفوذها ومطامعها الاستراتيجية، ولكنها لا تريد أن تتحمل بمفردها وزر الحرب ومضاعفاتها، وتريد ان تخرج بأسرع وقت من المستنقع السوري. وهي بالأخص تريد إشراك واشنطن بأي تسوية لأنها تعي جيدا ان لا حل دائما بدونها ولا إعادة اعمار واعادة بناء للدولة في سوريا من دون دور أساسي ومباشر للولايات المتحدة وللدول الاوروبية والخليجية. كما ان الأهم في ما لا تريده موسكو وما يضر بعلاقاتها العربية على المدى البعيد هو تثبيت موطىء قدم للنفوذ الإيراني على شاطئ المتوسط بعد الخط البري الذي شقته من طهران مرورا ببغداد وعبورا من دمشق نحو بيروت!

بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان