كتاب وأراء

في غياب الحرية

في ظل الحكومات المستبدة تكثر السجون وتتحول الفنون إلى جنون،والكلمات إلى لكمات، في ظل الحكومات المستبدة تكثر الاختلاسات والسرقات ويصبح دورها الأساسي لا محاسبة اللصوص، وإنما ملاحقة الذين يطالبون بمحاسبة اللصوص، وضبط كل من ينتقد سياسة الحاكم ويطالب بالإصلاح؛ ففي ظل الحرية يجوع اللصوص وفي ظل الاستبداد يجوع الشعب، كما قال الكاتب والصحفي مصطفى أمين، وهناك صفة مشتركة بين كل الطغاة وهي أنهم يكرهون الفكر والمفكرين، ويحبون إشعال الحرائق في الكتب والمدن والعالم كله، بالأمس البعيد حكم «أنور خوجة» ألبانيا لمدة أربعين عاماً، وأنفق الملايين على بناء الملاجئ والأسلحة، وترك شعبه جائعاً يستجدي «اللقمة»، سيطر عليه وهم غير مفهوم بأنه سيتعرض لهجوم خارجي.. مِن مَنْ؟ لا أحد يعرف، منع السينما والمسرح وتعلم اللغات الأجنبية وسيطر على الصحافة وسخرها فقط للإشادة بإنجازاته التي لا يعرفها سواه، وعندما مات كانت ألبانيا أفقر دولة في العالم، وكان هتلر يكره الأفكار المستنيرة والعقول الحرة، وكل من يخالف وجهة نظره، ولأن الكتب معرفة، والمعرفة قوة، فقد أصدر أمراً بعد توليه السلطة بمائة يوم فقط بحرق آلاف الكتب، ووقف مئات الطلاب المغيبين يصفقون لهذا الفعل الهمجي بعد أن أصدروا بياناً لاقى قبولاً من قائدهم المبجل يقولون فيه: «إن كل كتاب يعمل في هدم مستقبلنا أو يضرب بمعاوله جذور ثقافتنا الألمانية، وبيتنا الألماني، وقوى شعبنا المحركة، مصيره الحرق» وغاب عن هؤلاء الحمقى أن الكتب التي أشعلوا فيها النيران لم تكن لمؤلفين أجانب كتوماس مان وهيلين كيلر وغيرهما، وإنما كانت تضم عشرات المؤلفات القيمة لكُتاب ألمان مثل كانشتاين وكافكا وفرويد وستيفان زفايج، وألقى وزير هتلر «جوبلز»خطاباً حماسياً لا علاقة له بما يحدث وهو يقف أمام ألسنة اللهب: «في وسع الروح الألمانية أن تعبر عن نفسها من جديد، ولا يقتصر عمل هذا اللهيب على إضاءة الخاتمة النهائية لعهد مضى، بل يضيئ أيضاً حقبة مقبلة» وتمثلت هذه الحقبة التي أعلن عنها بفرض القيود على الحريات الشخصية، وعلى حرية الصحافة، ومراقبة الرسائل والاتصالات الهاتفية، وتفتيش البيوت بدون أوامر قضائية، وسجن وقتل كل من يشتبهون فيه دون محاكمة، حتى بات الناس يخشون أن يأتي وقت يحاسبون فيه حتى على أحلامهم، هذا هو نوع العصر الجديد الذي يتحدث عنه الطغاة وأتباعهم وأذنابهم والمطبلون لهم من المستفيدين، نعم هناك صفات مشتركة بين كل الطغاة على مر العصور، بيد أن طغاة العصر الحديث أضافوا صفة جديدة لم تخطر على بال هتلر وخوجة وموسوليني وعيدي أمين وموغابي وماوتسي تونغ ولينين والعشرات من أشباههم، ألا وهي استخدام الأغاني ذات المستوى الضعيف والسمج لحناً وكلمات كسلاح لإضعاف خصوم أقوياء؛ ففي غياب الحجة والمنطق والعقل أيضاً يتم تشويه الفن ودور الفن باسم الفن، ويتم الاستعانة بمطربين لهم تاريخ ومعجبون ليساهموا في هذا السخف: علم- وقولوا– وما عرفنا، وسواء وقفت هذه الجوقة المنتقاة خلف الميكروفون برضاها أو رغماً عنها فالنتيجة واحدة، وتتلخص في جملة بليغة قالها الملياردير الأميركي وارن بافت: «يتطلب الأمر عشرين عاماً لتبني سمعة، وخمس دقائق لتهدمها» ولقد هدم هؤلاء «المطربون» تاريخهم في.. أغنيتين.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري