كتاب وأراء

الدولة ثم الدولة ثم الدولة

لا يمكن الاستغناء عنها حتى وإن قصرت.. إنها الدولة.. والدولة في منطقتنا مقصرة.. ولم يعد تقصيرها وجهة نظر، وإنما إحساس مواطن وتقارير منظمات دولية ودراسات لمراكز بحث علمي مرموقة.. لقد أصابها وهن شديد.. وإذا كان هذا الوهن لا يظهر في علاقتها بالمجتمع لسبب بسيط هو أن المجتمع أكثر وهناً منها، إلا أنه لا يخفى في كل شيء آخر..
في أدائها الاقتصادي وإنجاز العدالة ومكافحة الفساد والنهوض بالتعليم والتصنيع وصد القوى الخارجية وكل الوظائف الرئيسية التي يتوقعها أي مجتمع من دولته.
بعض الدول العربية كاد خلال السنوات الأخيرة حرفياً أن يموت ويختفي.. وبعضها الآخر يجاهد ضد جماعات متوحشة تعتبر الدولة حراماً يجب القضاء عليه.. ومنها من أُنهكته حروب أهلية وصراعات مسلحة لم يكن لها ضرورة.. ومنها من لا يعلم سوى الله وحده كيف سينتهي بها الحال أمام مطامع إقليمية جامحة.. أما أغلبها فيعاني أزمات توظيف وإدارة وموازنة وفكر وحرية وعدالة واضحة.. لقد فشلت الدولة في العالم العربي في تحقيق الاستقرار وفي التنمية، كما لم تنجح في بناء المواطنة وتحقيق الديمقراطية.
لكن برغم كل هذه الصور من الفشل تبقى الدولة قارب النجاة الأوحد في المنطقة.. لقد كانت لتقصيرها أصل الداء، إلا أنها لضرورتها تبقى صلب الدواء لكن بشرط لا غنى عنه هو أن تبدأ بجدية في إعادة بناء نفسها. الدولة هي الحل والمخرج وهي الشفاء والملجأ.. الدولة ثم الدولة ثم الدولة. هذا هو الشعار الذي يجب أن يُرفع والعمل الذي يجب أن يبدأ. فالمشروعات البديلة لها عديدة، لكنها مدمرة من مشروعات الجماعات المتوحشة التي تلغي الدول إلى المشروعات الأجنبية التي تعبث بالهوية.
وقد جرت مؤخراً محاولات لإعادة بناء بعض الدول العربية، بدأت من أدنى على أمل أن تصل إلى أعلى، لكنها لم تنجح.. لقد أخفقت ثورات الربيع العربي، لأنها لم تملك مقومات النجاح ما مكن الدولة العربية القديمة من البقاء.. وهي لم تبق، لأنها كانت قوية وإنما لأن المجتمعات كانت ضعيفة. ولم تبق لأنها صمدت في وجه التدخلات الأجنبية وإنما لأن تدخلات أجنبية أخرى مضادة ساعدتها على البقاء.. ولم تبق لأنها كانت عادلة وإنما لأنها زادت في الظلم لتروع المجتمع وتنهكه.
غير أن المجتمعات المنهكة ليست ميزة حتى تشعر الدولة العربية القديمة إزاءها بالراحة وإنما هي عبء جسيم عليها.. فالمجتمعات المنهكة لا تملك ما تبكي عليه.. تزداد إحباطاً وبالتالي خطراً.. المجتمعات المنهكة كثيراً ما تصبح منفلتة.. والمجتمعات المنفلتة تحمل بذور انهيار الدول.. ولذلك من مصلحة الدولة العربية أن تخوض بشجاعة عملية جريئة لإعادة بناء نفسها.. ألا تحصر رؤيتها للتهديدات في إرهاب مستورد أو جماعات مارقة أو تطرف تغذيه قوى الشر وإنما أن تعترف بأنها تحديات نتجت عن فشلها في بناء قدراتها وأن عليها لهذا السبب أن تحاول بناءها من جديد.. ليس فقط بزيادة إمكاناتها الدفاعية والأمنية وإنما بإعادة بناء قدراتها الثلاثة الاستخراجية والتوزيعية والرمزية.
لم يعد يكفي الدولة العربية أن تستخرج مواردها بفرض ضرائب باهظة لا يقوى عليها المجتمع أو أن تحصلها من ريع المواد الأولية وإنما مطلوب منها خوض غمار مشروعات علمية وصناعية مهولة.. لكنها لن تطور قدراتها الاستخراجية إلا إذا طورت قدراتها التوزيعية بإعادة تقسيم السلطة والثروة بما يعطي المحرومين مالياً والمهمشين سياسياً حظوظهم وحقوقهم.. ويتعين عليها بالمثل إعادة بناء قدراتها الرمزية.. فلم تعد القومية العربية وتصفية الإقطاع والحرب على إسرائيل مثلاً شعارات يحتشد الناس حولها.. الناس اكتشفت أنها خدعت وأن القومية في ظل كل تلك الخلافات العربية لم تكن إلا كذبة، وأن تصفية الإقطاع لم تكن إلا لتمكين إقطاع جديد وأن تدمير إٍسرائيل استبدل بتعمير مريب للعلاقة معها.
وإذا كان لا يوجد من الناحية النظرية بديلاً للدولة غير الفوضى، فإن بقاء الدولة العربية على حالها لن يكون من الناحية العملية إلا مدعاة لتسريع تلك الفوضى.. الدولة ثم الدولة ثم الدولة هي الحل والمخرج.. هي الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه الإرهاب وفي وجه العولمة وكل تهديدات الداخل والخارج.. لكنها لن تحقق ذلك إلا إذا أعادت بناء نفسها وإلا إذا فهم القائمون عليها وظائفها بشكل جديد يخدم المجتمع وليس النخبة.. ولن يتحقق ذلك أيضاً، إلا إذا أُعيد تركيبها لتكون عن حق دولة مواطنة لكل من فيها وليست حكراً على فئة أو جماعة.. ولن يتحقق كذلك إلا إذا أُعيد فهم سبب وجود الدولة نفسه وأنها وجدت ليستمتع الناس في ظلها بحياتهم لا لتكون سبباً يقضي على حياتهم.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات