كتاب وأراء

دارفور .. ما بعد «موسى هلال»

- 1 -
لم يكن زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال، يتوقَّعُ أن يصلَ به عناده وتحديه للحكومة المركزية بالخرطوم مرحلة، أن يُؤتى به من دارفور عبر طائرة عسكرية مكبل اليدين بالأغلال، حاسر الرأس، تُلاحقه كاميرات الهواتف الذكية لتلتقط له صوراً، وهو بتلك الهيئة التي لا تليق بوضعه كزعيم قبلي.
عقب أحداث عاصفة وتصريحات نارية أطلقها هلال في وجه الحكومة السودانية؛ اقتحمت عربات الدفع الرباعي (تاتشرات) المسلحة والمحملة بعشرات الجنود؛ معقله ظهيرة الأحد الماضي في بادية مستريحة بولاية شمال دارفور وألقت عليه القبض.
موسى هلال من القيادات الأهلية البارزة بدارفور، كان له دور كبير ومؤثر في مساندة الحكومة في التصدي للحركات المتمردة على سلطتها.
وعلى خلفية اتهامات بتأجيج العنف في دارفور - ينفيها هلال- قرَّر مجلس الأمن الدولي فرض عقوباتٍ على موسى هلال وثلاثة أشخاص آخرين، تشمل فرض قيود سفر وتجميد أموال، في قرار بشأن دارفور صدر عام 2006.

- 2 -

نقطة الخلاف المركزية بين موسى هلال وحكومة الخرطوم، أن الرجل رأى في تعيينه في يناير 2008 مستشاراً لوزير الحكم الاتحادي، مقابلاً ضئيلاً لا يتناسب مع ما قدمه من عطاء عسكري في مناطق الصراع.
هلال كان يتطلع لأن يصبح نائباً لرئيس الجمهورية أو حاكماً على ولاية شمال دارفور على أقلِّ تقدير، وبلغ به الغضب مداه الأعلى، حينما اتجهت الحكومة السودانية للاستعانة بأحد ضباطه المقربين (محمد حمدان حميدتي)، في مواجهة الحركات المتمردة، وجعلت منه قائداً لقوات عسكرية ضاربة اختير لها اسم (الدعم السريع).
ترقية الحكومة السودانية للقائد حميدتي، ووضعه في مقام الدور الذي كان يقوم به موسى هلال في السابق، دفعت بالأخير نحو اتخاذ مواقف شبه معادية لها.
في يناير 2014 أعلن هلال تأسيس مجلس الصحوة، ووصفه وقتها بأنه حزب سياسي لكُلِّ السودانيين، وأنه يسعى عبره لعقد مصالحات اجتماعية وإصلاحات سياسية حقيقية، ليدخل في مُشاحنات مع والي شمال دارفور السابق عثمان كبر.

- 3 -

الخلافات بين الحكومة وهلال، تصاعدت مؤخراً إلى درجة غير مسبوقة، حيث هدد الناطق باسمه الحكومة بحرب لا هوادة فيها، وأنهم سيُحيلون البلاد كلها إلى جهنم مستعرة.
موسى هلال جعل من مكان نفوذه منطقة خارج سيطرة الحكومة، وكان لا يكفُّ عن استفزاز السلطات الولائية بشمال دارفور بالأقوال والأفعال.
هلال جعل من منطقته الجغرافية دولة داخل دولة، يفرض الجبايات والإتاوات وينقب عن الذهب، ويُهرِّب ما نتج إلى الخارج، ويعقد الاتفاقيات السياسية، يدعم حفتر في ليبيا ويغازل السيسي في مصر.
من الواضح أن خليفة حفتر تحالف مع هلال حتى يستقوي به عسكرياً، ومن خلاله يستطيع تحقيق اختراق في الجدار السوداني، عبر استقطاب حلفاء لهم وزن قبلي وعسكري كهلال.
ولخليفة حفتر علاقات وتنسيق أسبق من علاقته بموسى هلال، حين استخدم بعض حركات دارفور المتمردة على الخرطوم كمرتزقة في حربه ضد الحكومة الليبية في طرابلس.

- 4 -

يعتقد موسى هلال أن حملة جمع السلاح بدارفور التي أعلنتها الحكومة السودانية، ومحاولة ضم قواته لوحدات الجيش السوداني محاولة لتقزيمه وخلع أنيابه العسكرية.
من الواضح أن الحكومة لم تكن ترغب في تلك النهاية التي وصل إليها الشيخ موسى هلال، فللرجل وزنٌ في معادلات دارفور؛ ودورٌ سابقٌ في خدمتها، ما كانت الحكومة راغبة في تجاوزه.
لكل ذلك مدت له حبال الصبر، وأوسعت له صدر الحكمة وحاولت أن تستميله عبر الوسطاء المقربين له حتى يعود إلى وضعه كحليف لها وليس عدواً.
حينما أسرف موسى هلال في التعبير عن عدائه للحكومة وقطع أشواطاً في التقرب، لخصومها لم يترك لها من خيار سوى إلقاء القبض عليه ووضعه تحت الاحتجاز في انتظار المحاكمة أو التسوية.

-أخيراً-

نجاح الخرطوم في القبض على هلال تعتبر الخطوة الأهم في تنفيذ سياستها المعلنة لجمع السلاح من المواطنين والقبائل والميليشيات، وهي كذلك خطوة متقدمة لاحتواء الآثار المترتبة على حرب دارفور وخلق واقع جديد.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال