كتاب وأراء

جرائم «المايكرو اجريشن»

يحدث ان تجد نفسك مرتعشا من نسمة صيفية مفاجئة تنعش خلاياك برمتها، فتنسى الوجوه المقطبة، العابسة من حولك والايماءات المتذمرة، والتنهدات والشكاوى المكظومة.
وقد تنتفض فرحًا من قشعريرة سرت فيك كالسحر متى ما شاهدت قوس قزح في كبد السماء، فتخال كأنما تلمح سيدة تتبرج لك خصيصًا للفت انتباهك وإغوائك.
أو لربما تعجز عن تفسير ما انتاباك من مرح إثر لفحة شمس اختلطت أشعتها بيود البحر، تلك التي تصبغ وجنتيك بالأحمر وقلبك بالزهري. فتشهق روحك من السعادة.
وقد تحتضن ذاكرتك مشهد إغراء أمطار الكوانين لك، حين يدعوك الهتان، فتستجيب وتفتح نافذتك لتخرج يديك تتلمس زخات المطر، فتشعر في لحيظة أنك عدت لعهود الولدنة، لتنام ليلتها صفر الهموم.
أو قد يمر عليك مشهد عدو السيارات للأمام في الطريق السريع مع هروب الأشجار للخلف كأنها تحاول اثناءك عن فكرة الهجر، وتهمس لك أن خفف الوطء قليلًا، فإنك ماض وكلنا ماضون.. إذاً، لا داعي للعجلة.
وقد يعتاص عليك شرح كيف رحبت بصفعة أمواج المتوسط التي عصفت بك دون سابق إنذار، ثم أنك تستحي أن يراك أحدهم وانت تهم بالخروج علك ترتطم بصفعة موجة ثانية، وحبذا لو قاسمة، تقلب أوضاعك رأسا على عقب.. كونك تترجم تلك الارتطامات كنوع من مداعبات الطبيعة حينما تترنم الأخيرة إثر حالة نشوى.
وقد تغتسل عيناك بالطهر وأنت تلحظ طوابير العمال أمام الصرافات غرة كل شهر وهم ينتظرون دورهم لإرسال خلاصة قطرات عرقهم وثمار جهودهم لذويهم في رسالة صامتة تجاهر بـ«إنكم بأعيننا».
أنين المذنبين وصلوات التائبين وزقزقات العصافير تؤذن بصوت مجلجل «الخير موجود ومولود ومتعملق في العالم وإن لم تلاحظه».
أشياء لا تباع ولن تشترى على أنها تثري إنسانيتنا، وتخصب مروءتنا، وبها يعاد إحياء معنوياتنا.
على الجانب الآخر من وجه عملة الحياة، نقابل يوميًا من يشعروننا بهذيان أرواحنا، بنحافة عواطفنا، بضمور إنسانيتنا، ترافقها تخمة ماديتنا. وكم من الضغائن تفوح منها رائحة بارود تعتمر صدور حليقة من الغفران.
ولكثر ما أن تمتلئ جعبة الأحزان وتفيض حقائب الأزمات حتى يكاد لا يبقى في قوس الصبر منزع، سيما وإن كانت السهام مبهمة، والرامي مُلثم ومدرع بدثر الورع ومستتر بالمقدس.
والمشكل ان الرماة يقذفون بنبالهم باحترافية عجيبة، فيدمون ويصيبون دون ترك أثر فيما يطلق عليه علماء النفس جرائم «المايكرو اجريشن».
فنحن بإزاء اعتداءات من الصعب ملاحظتها. كأن يحاك ضدك مؤامرات لإنقاض ظهرك وقتلك معنويا لكن بمسدس كاتم للصوت تصوبه لقلبك سيدة يعلو صوتها بالزغاريد فيما تطعنك من الخلف.
أو كأن يسمح إنسان لنفسه ان يستبيح قلب محب كما يستلذ بتعذيبه في إطار علاقة تأرجحه يمينًا أو يسارًا كرقاص الساعة.
كحماة تمعن في أذية كنتها فتخاطبها: «انت صحيح شكلك مش حلو، لكن المهم أخلاقك تعوض قبح منظرك».
أو سلفة تلسع صهرها بتعليق من نوعية «أصحيح ان والدك مات ولم يترك لك ميراثًا سوى تلك السيارة؟
أو كأن تسمم بدن أحدهم بقولك:
مسيحي لكن مهذب.
صعيدي لكن ذكي.
خلايلي لكن كريم.
فقير لكن نظيف.
سيدة ورغم ذلك جدعة.
أسمر ومع هذا قلبه ابيض.
فلاح لكن راقي.
أوروبي لكن ليس منحلاً.
افريقي لكن وسيم.
ممثل ورغم هذا يصلي.
قد تكون مبعث البهجة صارخة وإن كان صانع تلك البسمة أبك.
لكن المؤسف أن يكون عدوك جعجاعا، أرعن ولكنه يدمي بمسدس كاتم للصوت.
وعلى أية حال املأ نفسك بالخير وتخطى عراقيل الشر وخاطب السماء لينجيك رب السماء.
اهدي أتون حماسك للنهار
واحمل كأس عرقك للظهيرة
ليحمل عنك العصاري حقيبة تعبك
فتعود وقد أغربت عنك سلال همومك
ولسوف يُهديك العِشاء عَشاء مُشبعًا.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي