كتاب وأراء

هذا ما يسعى إليه الذباب الالكتروني!

اكثر ما ميز الأزمة الخليجية الاخيرة هو الدور الكبير الذي لعبه الذباب الالكتروني في كسر كل المحرمات التي تعود عليها الخليجيون خلال عقود من عمل مجلس التعاون الذي اريد له ان ينهار لانه كان حتى وقت قريب الاطار السياسي والاقتصادي الوحيد الفاعل والناجح في العالم العربي طوال عقود من التكتلات الفاشلة والتحالفات الواهنة.
لسبب ما لا يسمح بأن يتحول أي اطار عمل عربي مشترك إلى جهاز قوي وفاعل ومؤثر، فالمطلوب ان تدخل الدول العربية كلها ملكية كانت أو جمهورية، ثورية أو تقليدية، غنية أو فقيرة في اتون الازمات التي تستنزف الموازنات وتبدد المدخرات وتقتل مشاعر الاخوة والترابط حتى بات يخيل للمرء ان الجسد العربي يعاني من خلل مناعي مزمن يدفعه لمهاجمة اعضائه السليمة ذاتيا حتى تتساوى جميع الاعضاء في الضعف والوهن والمرض.
ما فعله الذباب الالكتروني خلال الأزمة الاخيرة كان له اثر يصعب محوه من الذاكرة، فمئات الآلاف من الحاسبات التي تعمل من مراكز امنية في عواصم دول الحصار تواصل الليل بالنهار دون كلل أو ملل لتحقيق هدف واحد لا يقبل التفسير أو التأويل، زيادة العداوة بين الشعوب الخليجية، اعطاء الانطباع بأن مشروع التعاون الخليجي قد انتهيى إلى غير رجعة وتأهيل الافراد لمرحلة غير مسبوقة من كسر المحرمات حيث يمكن الاساءة للرموز والتعرض للاعراض ودس الاكاذيب لخلق وضع يستحيل معه التفكير في عودة الأمور إلى طبيعتها.
والمهمة التي يعمل ضمنها هذا الذباب الذي يدار من قبل اجهزة الاستخبارات واضحة وجلية: لا عودة لعصر الذرابة والحكمة ومعالجة الخلافات أو الاختلافات بالحوار والتفاهم، والاسلوب الوحيد كما يقول الذباب ومن يقف وراءه يكون بكسر الخشوم والاخضاع والترهيب، فإما ان تفعل ما نريد وتوافق على كل الشروط، والا فإنك سترى اسلوبا شبيها تماما بما تقوم بها اجهزة الأمن المصرية في عصر السيسي حيث لا محرمات ولا خطوط حمراء ولا شرع ولا قانون ولا حوار!
لقد كان اهل الخليج دائما مضربا للمثل في حسن جيرتهم وطريقتهم الخاصة في حل مشاكلهم وابقائهم لكل خلافاتهم داخل الغرف المغلقة، وما نراه اليوم هو تمهيد لحقبة جديدة عنوانها الدولة القومية والهوية الخاصة على حساب الجسم الخليجي لتحقيق اهداف قصيرة المدى يعوزها الوضوح والتخطيط السليم وستنقلب حتما على من يقفون وراءها لانها لا تستند لتفكير عميق وبحث واف ومشورة واسعة بل هي وليدة افكار افراد وعادة ما تكون لحظية وغير مدروسة.
املنا ان يتمسك اهل الخليج الاصلاء بما يربطهم من اواصر وان يتذكروا دائما انهم اهل واخوة ونسباء حتى لو قيل لهم غير ذلك، فهذا الذباب سينتهي دوره يوما وسيختفي فجأة كما ظهر فجأة، اما اللحمة الاجتماعية الخليجية فهي تقف على اسس متينة قوامها القرابة والنسب والتقاليد المشتركة وهي امور لا يمكن هدمها بسهولة!
بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي