كتاب وأراء

سوريا بين سوتشي وجنيف

أحيت اجتماعات الأسبوع الماضي الروح في جسد المعارضة السورية المنهارة والمشتتة، فقد تمكنت بعد ضغوط عربية وروسية من إجراء ما يشبه إعادة الهيكلة لصفوفها القيادية واختيار فريق تفاوضي جديد يمثل منصات المعارضة بمختلف توجهاتها. والأهم من ذلك تبنيها لخيار المفاوضات مع النظام السوري دون شروط مسبقة، ومنح الفريق التفاوضي صلاحيات أوسع للتحرك في جنيف.
رفعت هذه التطورات من معنويات المبعوث الدولي إلى سوريا دي مستورا الذي حضر جانبا من الاجتماعات، فأكد من هناك على دعوته لجولة جديدة من المفاوضات في جنيف من المقرر أن تستمر حتى نهاية الأسبوع الحالي.
يأمل دي مستورا هذه المرة أن تشهد الجولة التفاوضية اجتماعات مباشرة تجمع وفدي النظام والمعارضة وبدء مناقشة الأمور المتعلقة بالانتخابات والدستور الجديد لسوريا، والتحضيرات المتصلة بالمرحلة الانتقالية محل الجدل بين الطرفين.
لكن بموازاة مسار جنيف المتعثر ولد مسار جديد في سوتشي بعد القمة الأخيرة التي جمعت رؤساء روسيا وتركيا وإيران. يمكن القول إن مسار سوتشي هو الابن الشرعي لعملية أستانا، التي أطلقها الضامنون الثلاثة قبل أكثر من عامين، وبمشاركة مراقبين من دول بينها الأردن.
يرد الفضل لعملية أستانا في تثبيت وقف إطلاق النار في عموم الأراضي السورية، وتوفير الحد الأدنى من التفاهمات بين الفرقاء الدوليين والإقليميين في سورية.
نجاح موسكو في أستانا وقرب انتهاء الحرب على«داعش» أغرى القيادة الروسية بتطوير مقاربة للحل السياسي، تتكئ على مسار جنيف، لكنها وفق ديناميكيات جديدة تلخصت باقتراح موسكو عقد مؤتمر وطني لممثلي مكونات الشعب السوري في منتجع سوتشي للتوافق على دستور جديد وانتخابات عامة في سورية.
استبق الروس ترتيبات قمة سوتشي الثلاثية بلقاء بين بوتين والأسد، وحملة اتصالات دبلوماسية شملت دولا معنية في المنطقة بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية.
لم تحقق قمة سوتشي كامل أهدافها، فقد اتفق القادة الثلاثة على دعم عقد المؤتمر الوطني السوري، إلا أنهم لم يحددوا موعدا له مثلما كانت تأمل موسكو.
المؤتمر المتوقع أن يشارك فيه المئات من الشخصيات السورية الممثلة لمكونات المجتمع، يحتاج على ما يبدو لمناقشات أعمق بين الدول الثلاث نظرا لتباين المواقف والتوجهات حيال مستقبل سوريا السياسي.
في كل الأحوال، بات هنالك مسار جديد ينافس «جنيف» رغم التأكيدات الروسية على تكامل المسارين. فريق ديمستورا يدرك هذا التحدي والحاجة للدخول في سباق مع موسكو كي لا تبلع سوتشي عملية جنيف، وتصبح هي المنصة الدولية الوحيدة للأزمة السورية.
واشنطن التي تظهر لغاية الآن دعما لجهود موسكو لم تبلور موقفا نهائيا من سباق المسارات، وما إذا كانت مستعدة للتخلي عن مفاوضات جنيف لصالح مسار سوتشي.
ثمة وقائع كثيرة في الميدان السوري ستحدد إلى أي مدى يمكن لروسيا أن تخطف نصرا بالضربة القاضية، أو أنها ستقبل جولات من المنازلة في جنيف لحين تبلور تفاهم أميركي روسي شامل حول سوريا وسواها من الملفات العالقة بين القطبين الدوليين.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان