كتاب وأراء

الصراع على السلطة في إسرائيل

ماذا يجري داخل إسرائيل؟
أدى انشغال العالم العربي بهمومه واضطراباته الداخلية إلى إخراج القضايا الإسرائيلية من دائرة الضوء والاهتمام. وأدى هذا الانشغال من جهة ثانية إلى اطمئنان إسرائيل إلى حد انها لم تعد قلقة من جراء تسرّب أنباء صراعاتها الداخلية إلى الخارج. بل إن هذا الاطمئنان وصل إلى حد تفجّر الصراع داخل حزب الليكود ذاته الذي يتزّعمه رئيس الحكومة نتانياهو بعد أن كان ينحصر بين حزبي الليكود والعمل.
فلأول مرة منذ قيام إسرائيل قبل 70 عاماً يخرج الرئيس الإسرائيلي روفين ريفلين عن الصمت المفروض عليه بحكم الدستور ليحذر من سوء تصرفات رئيس الحكومة نتانياهو وليتهمه بأنه بات يشكل خطراً على الديمقراطية في إسرائيل.
ويلتقي الرئيس ريفلين (وهو من حزب الليكود الذي يتزعمه نتانياهو) في ذلك مع الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية شين بات وهو ايضا من حزب الليكود، فقد نشر مقالة صحفية قال فيها: «إذا استمر الفساد الأخلاقي والمعنوي الحالي فإن الحلم الصهيوني سوف يتبخر ويتلاشى».
من هنا السؤال: ماذا يجري في إسرائيل؟
تكمن الإجابة على هذا السؤال في الوقائع التالية التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي:
1- محاولات حكومة نتانياهو فرض رقابة على الاعلام وتدجينه.
2- تقليص صلاحيات مجلس القضاء الأعلى.
3- استصدار قوانين عن الكنيست (مجلس النواب) لتعطيل قرارات مجلس القضاء والالتفاف عليها.
4- تحجيم الدور المعنوي للمؤسسة العسكرية.
أما المحرك وراء ذلك فهو نتانياهو الحريص على احتواء الاتهامات الموجهة اليه بالفساد (المالي والأخلاقي). وقد ذهب في محاولاته إلى حد التقدم بمشروع قانون أمام الكنيست لمنع محاكمة رئيس الحكومة أو التحقيق معه خلال فترة توليه السلطة.
ومن المعروف ان هناك ثلاثة اتهامات– حتى الآن- موجهة إلى نتانياهو لعل اهمها واخطرها تهمة الحصول على رشوة مالية من صفقة الغواصات التي اجرتها إسرائيل مع ألمانيا.
لقد كشف الإعلام عن تورّطه عبر أحد مستشاريه وهو من أقربائه أيضاً، فكانت محاولة التضييق على الحريات الاعلامية. ولما وصل القضاء إلى مرحلة توجيه الاتهامات، كانت محاولة سحب صلاحيات قضاة التحقيق من استجواب رئيس الحكومة العامل..
ولما ارتفع صوت الاستنكار من داخل المؤسسة العسكرية باعتبار ان صفقة الغواصات تتعلق بها، كانت محاولة تحجيم دورها المعنوي.
وهكذا فإن نتانياهو في مساعيه لتبرئة نفسه، يحاول تكميم الأفواه الاعلامية وليّ ذراع القضاء، وتعطيل الديمقراطية. ويعتمد نتانياهو في ذلك على قاعدة انه يملك الأكثرية في الكنيست (جراء تحالفه مع الأحزاب الدينية المتطرفة). ومن أجل الاحتفاط بهذه الأكثرية، فإنه يستجيب إلى مطالب المتطرفين الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وإلى نداءاتهم لتسريع اجراءات تهويد القدس بشراً وحجراً.
لقد انتخب نتانياهو أربع مرات متوالية رئيساً للحكومة في إسرائيل على رأس حزب الليكود. ويعود الفضل في ذلك إلى هؤلاء المستوطنين اليهود الذين يستجيب لمطالبهم في مقابل أصواتهم.
وقد أدت هذه الاستجابة إلى وصف حكومته بأنها اكثر حكومات إسرائيل على الاطلاق تطرفاً منذ عام 1948.. وبالتالي فإنها أبعد حكومات إسرائيل عن أي تسوية سياسية مع السلطة الفلسطينية.
غير ان ما يقلق الإسرائيليين ليس الانعكاسات السلبية لتطرف نتانياهو على مشروع حلّ الدولتين، ولكن القلق ينصبّ على انعكاسات سوء سلوكه– كما وصفه الرئيس ريفين- على الديمقراطية التي بدأت تواجه حالة من الاختناق لا سابق لها منذ 70 عاماً.
حتى ان جمعيات حقوق الانسان، في إسرائيل– الانسان اليهودي فقط- اضطرت إلى التحذير من «ان الديمقراطية– الديمقراطية للإسرائيليين فقط- تمرّ في حالة تراجع واختناق». وأمام الكنيست اليوم مجموعة من الاقتراحات ومشاريع القوانين التي تتضخم مثل كرة الثلج.. والتي تصبّ كلها في هدف واحد وهو قطع الطريق أمام الإعلام من التشهير بنتانياهو ومنع القضاء من محاكمته أو التحقيق معه، أو حتى مساءلته.
ولإحراج خصومه السياسيين، يذهب نتانياهو إلى اتخاذ المزيد من الاجراءات التهويدية في القدس والتوسعية في الضفة الغربية التي تسبق وتزايد حتى على مطالب أشد المتطرفين من المستوطنين اليهود. فالإسرائيليون يتصارعون.. والفلسطينيون يدفعون الثمن.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك