كتاب وأراء

فوائض الكراهية أين سيجرى تصريفها؟

لدى المنطقة ما يكفي منها، لكنها ما زالت تُضيف إليها. إنها الكراهية. فوائضها هائلة لكن منطقتنا تبرع في تغذيتها. كل ألوان الخطاب تنفث كراهية. حتى الخطاب الرياضي فيه ما يحث على الكراهية. الدماء التي ما زالت تسيل في اليمن وسوريا وليبيا والعراق تسيل معها أسئلة تبحث عن من سيأخذ لها بالثأر. ومن كان الثأر هدفه فلن تكون الكراهية بعيدة عنه.
والأمثلة على فوائض الكراهية لا حد لها. الثورات العربية الملونة التي أُجهضت بدأت تحمل الشعوب المنهكة من الفساد والاستبداد على كراهية كل شيء من جديد حتى كراهية أنفسها. التصعيد السعودي الإيراني يؤجج الكراهية. وليته يقف عند اختلاف المصالح الوطنية وإنما يمتد ليلهب الكراهية بين المذاهب. ترامب يتعمد نشر الكراهية والخوف في منطقتنا والعالم. إقدام الأكراد على تنظيم استفتاء انتهى بالفشل ولّد مشاعر جديدة من الكراهية كان العراق في غنى عنها. وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي فتحت أبوابها لخطاب الكراهية. داعش لم تكن إلا تجربة مريرة في الكراهية. لم تكتف بإخافة العالم من المسلمين وإنما دفعت أيضاً إلى كراهيتهم. ولم يكن اليمين المتشدد في الغرب ليتوانى فواصل حملات مبالغا فيها تحث على كراهية المسلمين. استقالة سعد الحريري والتراشق الخطابي من بعدها أخاف من اندلاع حرب جديدة في المنطقة. والحروب لا تندلع إلا وتسبقها وتصاحبها موجات من الكراهية.
الصورة واضحة ولا تحتاج إلى مزيد من الأمثلة. كل صور العنف والحروب من حولنا نتجت عن ميراث معقد من الكراهية كما أنها تفتح الطريق في المستقبل لتأجيجها أكثر. ولا غرابة، فالعلاقة بين العنف والكراهية متبادلة. الكراهية تدفع غالباً إلى العنف والعنف يزيد من الكراهية. ولهذه الحلقة المفرغة من الكراهية تاريخ في منطقتنا برغم تقبيل اللحى ومعاهدات الصلح واتفاقيات الحدود وكل الكلمات المعسولة. تجد مثلاً من يستدعي قصصاً يزيد عمرها على مائة أو مائتي وأحياناً ألف عام ليشعل الكراهية ويحبس الناس في سجن الماضي.
وفي السياسة قاعدة. لا بد أن يكون لك عدو. لا بد من خطر تحذر الناس منه لكي تحشدهم خلفك. فإن لم تجده فعليك اختراعه. وإن لم يكن في الداخل فلتبحث عنه في الخارج. هذه القاعدة وحدها كفيلة بنشر الكراهية. وهي تعمل حول العالم، عندنا وعند غيرنا. إلى اليوم مثلاً يكره كوريون جنوبيون اليابانيين بشدة حتى لو اضطرتهم المصالح لأن تكون اليابان شريكاً تجارياً رئيسياً لبلدهم. المشكلة لدينا ليست في وجود الكراهية وإنما في منسوبها وطريقة تصريفها حيث كثيراً ما نتركها تفيض لتدفع إلى العنف. بدلاً من أن نجعل المصالح المتبادلة تعالج ارتفاع منسوب الكراهية مثلما يفعل معظم الأوروبيين والآسيويين نجد بين العرب مراراً من لا هم له إلا منع الناس عن مصالحهم بإشاعة الكراهية.
وعلاج فوائض الكراهية صعب. فالكراهية لون من ألوان العنصرية تُبنى على إحساس بالتفوق على الآخرين بل واحتقارهم. ومع أنه إحساس زائف إلا أنه يتحكم في الأفعال والتصرفات. وليس في منطقتنا أسوأ من طريقة معالجة الفوائض حتى لو كانت فوائض معمرة، فما بالنا لو كانت مدمرة مثل فوائض الكراهية. لقد تحول الفائض السكاني مثلاً إلى صراعات طبقية واجتماعية لما تُرك موضوع توزيع الثروة بلا علاج. ولم يكن الفائض النفطي بأحسن حال. فقد أتى النفط بلعناته وليس فقط ببركاته. ضاعت كثير من عوائده في حروب أججت الكراهية بين العرب وفي مغامرات خارجية جلبت لهم كراهية الآخرين.
يزيد من صعوبة علاج فائض الكراهية العنف المنتشر في المنطقة. فحتى لو توقف فلن تُحل المشكلة هكذا بسهولة. حلها سيحتاج إلى التخلص من ثلاثة فوائض أخرى خطيرة: فائض الجاهلية وفائض القبلية وفائض التدخل. فائض الجاهلية هو جملة الأفكار البالية التي تتساهل مع كل أشكال العنصرية سواء ضد المرأة أو غير المسلم أو غير العربي. وفائض القبلية هو الاستغراق في انتماءات ضيقة يحبس كل فرد فيها نفسه فلا يشعر بقيمة الآخرين أو يرضى بالوصول إلى نقطة وسط معهم. وأخيراً فائض التدخل وقد أنتجته بنية الدولة العربية الضعيفة التي جلبت غزاة وغرباء أشعلوا الفتن وأفشوا الكراهية لكي يؤمنوا مصالحهم.
وبكل أسف لن يجد فائض الكراهية الجديد الذي يتراكم هذه الأيام متنفساً له إلا في العنف والإرهاب والحروب والمبارزات العنترية. ستظهر ولو بعد حين داعش جديدة. وستشتعل حروب إضافية قبل أن تتوقف الحروب القائمة. وستظهر وجوه إعلامية جديدة ترتفع بنبرة الكراهية. هكذا تدل المقدمات. فلعل النتائج تأتي لتخيبها.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات