كتاب وأراء

الظلم بالقانون التضييق على الصحف مرفوض

- 1 -
لا حديث في الأوساط الإعلامية السودانية إلا عن قانون الصحافة الجديد المزمع تقديمه إلى البرلمان بعد إجازته بمجلس الوزراء.
لولا المعارضة القوية التي وجدها القانون الجديد في اجتماع مجلس الوزراء قبل الأخير من بعض الوزراء لعَبَر إلى قاعة البرلمان بكل ما فيه من تعسف عقابي وروح عدائية تجاه الصحافة.
تحتوي التعديلات المقترحة للقانون الجديد على عقوبات مشددة، بينها منح المجلس القومي للصحافة صلاحية تعليق صدور الصحيفة إلى فترة لا تتجاوز 15 يوماً بدلاً عن ثلاثة أيام في القانون القديم.
بجانب منحها المجلس سلطة إيقاف الصحفي عن الكتابة «للمدة التي يراها مناسبة»، مع سحب الترخيص مؤقتاً لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.
كما أعطت التعديلات المقترحة مجلس الصحافة أيضاً سلطة الترخيص لمزاولة النشر الإلكتروني. ونصت التعديلات كذلك على تشكيل لجنة سجل تختص بعدد من الاختصاصات، أبرزها شطب الصحفي من السجل بناءً على قرار المحكمة أو أي جهة مختصة بمحاسبته.
- 2 -
من الواضح أن التعديلات المقترحة تعبِّر عن حالة ضيق حادة من قبل الجهاز التنفيذي بما هو متاح من حريات صحفية جعلت من الصحافة قوة التأثير الأولى في الدولة السودانية.
لم يسبق أن اتفق الموالون والمعارضون للحكومة على موقف واحد مشترك مثل اتفاقهم على رفض القانون والعمل على معارضته.
سيخسر الحزب الحاكم كثيراً إذا مضى في اتجاه إجازة التعديلات المقترحة بأغلبيته البرلمانية وجعلها أمراً واقعاً مرفوضاً من قبل الوسط الصحفي السوداني.
صحيحٌ أن بعض الممارسات والأخطاء تستحقُّ عليها بعض الصحف المحاسبة والعقاب، ولكن عبر السلطات القانونية الطبيعية، فالصحافة كما لها حقوق عليها واجبات، وكما من حقها الحرية فعليها واجب المسؤولية.
أما أن تسعى جهة حكومية للتضييق على الصحف عبر قوانين متعسفة أو إجراءات استثنائية متجاوزةً للقوانين، ففي ذلك إساءةٌ بالغة لصورة الحكومة، ومساسٌ جارحٌ بقيمة المواطنة.
- 3 -
من مصلحة الحكومة السودانية أن تسمح للصحافة بالقيام بدورها في الرقابة والتوعية المسؤولة، بل أن تساعدها في إنجاز تلك المهام على أكمل وجه.
الصحافة الحرة القادرة على الحصول على المعلومات، والوصول إلى المسؤولين، والتواصل مع الجماهير، تمثل أحد مكونات الجهاز المناعي للدولة.
الصحافة الحرة تكافح البكتيريا التي تستغل غياب الضوء وغَبَش الرؤية ورخاوة الانتباه، لإلحاق أكبر ضرر بجهاز الدولة، وبِنْية المجتمع، في مقابل مكاسب ومغانم ذاتية محضة، مثل هؤلاء تفضحهم الصحافة وتعري أفعالهم أمام الرأي العام.
من المهم جداً، أن تتجاوز الحكومة تصور أن الصحافة تمثل ملاذاتٍ آمنة لأعدائها، ومكمن مخاطر مقبلة، فهذا التصور سيصبح المُحدد الدائم للتعامل معها تشريعياً عبر القوانين التعسفية، أو عبر الإجراءات الاستثنائية.
ولا فرق بين الاثنَيْن.
لا بد من تجاوز عقدة أن الصحافة هي التي أسقطت حكومة الصادق المهدي في الديمقراطية الثالثة. الديمقراطية الثالثة أصلاً لم تقف على رجليها، حتى تسقط، فهي لم تتعدَّ مرحلة الحبو.
- 4 -
إضعاف الصحافة عبر التعسف القانوني والتشدد في العقاب أو الإجراءات الاستثنائية الأمنية، لا يحقق مصلحة الدولة السودانية، بل هو خطرٌ عليها!
الأزمات الاقتصادية التي تعانيها الصحف، ونزْعُ ما بها من (دسم) في المهام التي تأتي تحت لافتات تنقيتها من (السموم)، يمهدان الطريق لموتها سريرياً.
يجب ألا ينجح المتضررون من حرية الصحافة من الفاسدين ومستغلي النفوذ في تسويق مخاوفهم وهواجسهم الشخصية للحكومة حتى لا تُرفع الأغطية عن ما يفعلون في الظلام.
يريدون تسويق تلك المخاوف لجهاز الدولة ليشتريها، ويخوض المعركة نيابةً عنهم باعتبار أن الصحافة تمثل المهدد الأكبر للحكومة في وجودها واستقرارها، لا مهددَ لممارساتهم ووجودهم داخل مؤسساتها!
-أخيراً-
الصحافة السودانية في كل القضايا المفصلية، كانت أول المُعينين في تجاوز الأزمات، وتحقيق الانتصارات، فليس من اللائق أن تكون في الأوضاع العادية، قيد الاشتباه التجريمي، وتحت المحاكمة بقوانين ظالمة وجائرة.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال