كتاب وأراء

بالعصفورية .. كانت لها أيام !

لكم تمنيت زيارة «قضاء المتن» بلبنان مسقط رأس الأديب النبيل «أمين الريحاني». إذ يبدو أن هناك من نتمنى مقابلتهم من البشر يوما لتترسخ في وجداننا صورة حية ومثال أو تمثال مبهر للأناقة الإنسانية. وحين أعذرتنا الاقدار عن مقابلتهم، واستعضنا بزيارة دورهم وأوطانهم نتلمس فيها عطر اللياقة البشري.
ولكم كنت أتوق لرؤية أي أثر لأمين الريحاني تحديدًا، فهذا الانسان أمين فارس أنطون يوسف بن المطران «باسيل البجاني»، ليس مجرد مفكر وأديب، وروائي ومؤرخ ورحالة، ورسام كاريكاتير لبناني، بل أحسبه أحد أكابر دعاة الإصلاح الاجتماعي، وهو صدقًا من عمالقة الفكر العربي. وهو بالإضافة لذلك إنسان تعتصره الإنسانية والمروءة.. فلكم حفر بأعماقي خيراً ولكم نحت مثالًا ولكم رسم جمالًا ولكم زرع ثماراً من محبة حينما قرأت عنه أنه من القلائل الذين تمكنوا من تفعيل ما يعتنقون به، فلقد كان من القلة النادرة التي ساندت الأديبة الراحلة مي زيادة، فوقف وتصدى بحزم وإصرار لأسرة الأديبة القديرة حينما أُلقي بها أرحامها في غياهب «العصفورية».
ولمن لا يعرف، فالعصفورية هي مشفى الأمراض العقلية بلبنان، فقد ولدت مي بمدينة الناصرة عاصمة الجليل بفلسطين واسمها الحقيقي «ماري الياس زخور زيادة» كابنة وحيدة لأب لبناني من مدينة عنطورة ولأم فلسطينية.
وكانت أسرة مي التي لم تنجب سواها على قدر واسع من الثراء. فما أن مات والداها، حتى استكثر عليها بعض من أفراد عائلتها الثروة التي ستؤول إليها، ووجدوا من روحانية العلاقة التي جمعت بينها وبين جبران، سيما أن مي عانت من الاكتئاب عقب وفاته، وجدوا ذلك ذريعة لإلصاق تهمة الجنون والعته بها كي يتحينوا فرصة وضع أيديهم على ثروتها.
ورغم أن مي زيادة كانت تلقب بـ«نابغة الشرق» عدا إجادتها لتسع لغات، ورغم أنه قيل أن في عصرها ما من مفكر أو أديب إلا وقد هام بها، حيث كان الكثيرون يقصدون قبلة صالونها الثقافي كل ثلاثاء في القاهرة، الا انها حينما تعرضت لهذه المحنة الحياتية القاسية، لم يساندها مخلوق باستثناء أمين الريحاني الذي رفض ان يقف على الحياد ليشاهد نهاية مصير نابغة الشرق.. بل قام بحشد بعض الكتاب وراحوا يشنون حربًا إعلامية للكشف عن مخطط أهلها «الناس العزاز، الأندال بامتياز» وأخيرًا، تمكن الريحاني من عرض مي زيادة على مشفى آخر، فاستخرج منه شهادة طبية تدل على براءة الكاتبة الكبيرة من أي مرض عقلي أو نفسي، ثم استأجر لها بيتا بجوار بيته لتستشفي فيه من آثار الأزمة التي عانت منها حتى تعافت كليَا ثم عادت لتعيش في مصر.
كيف لا أنبهر بإنسانية هذا الرجل التي فاقت عبقريته الأدبية أي إبداع آخر له، فقد صدق فيه قول أرسطو: «ترياق الخمسين عدوا.. صديق واحد».
سلام على أرواح آمنت أن العيش في سبيل الله بخدمة الناس أنفع من القتل باسم الله.
كاتبة مصرية
EMAIL:DALIAELHADIDI@HOTMAIL.COM

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي