كتاب وأراء

ألمانيا وأزمة الحزبية الأوروبية

زلزال سياسي، أزمة سياسية غير مسبوقة، وصول «البريكزيت»، لم تخرج الصحف الألمانية، بداية هذا الأسبوع، عن سجل هذه العناوين أو ما يشبهها، بحثا عن توصيف مطابق لحدث فشل المحافظين بقيادة ميركل في تشكيل أغلبية برلمانية لتدبير البلاد.
قوة الحدث لها علاقة مؤكدة بالتاريخ، ذلك أنه لم يحدث أن عجزت ألمانيا عن الحصول على أغلبية سياسية لقيادتها منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية في 1949.
المفاوضات التي لم تتقدم منذ ما يقارب الشهر، قيد أنملة، كانت تجرى بين القطب المحافظ المكون من طرف الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، وبين الليبراليون والتيار البيئي.
منذ إعلان الحزب الاشتراكي موقفه الحاسم بعد تجديد تحالف الواسع مع المحافظين، أصبحت الخيارات محدودة أمام ميركل: إبرام اتفاق سياسي مع الليبراليين والخضر أو إعلان الفشل، ومنذ ذلك الوقت كانت الملفات الأربعة الموضوعة على طاولة التفاوض معروفة للجميع: قضايا التغيير المناخي، استعمال الفحم كمورد طاقي، الضريبة على التضامن، الهجرة واللجوء.
داخل هذه النقط الخلافية الحارقة، شكل موضوع الهجرة وأساسا مقترح «لم الشمل» عقدة التفاوض، إذ بالرغم من تبلور حل وسط بين الخضر والمحافظين، فانه لم يقنع الليبراليين، وهو ما جعل الفشل البين يصيب مشروع التحالف الذي عرف داخل الرأي العام على نطاق واسع بائتلاف «جمايكا» نسبة إلى ألوان علم هذه الجزيرة المتواجدة بأميركا الشمالية، والتي تطابق رموز الأحزاب المتفاوضة (الأسود بالنسبة للمحافظين، الأصفر بالنسبة لليبراليين، والأخضر طبعا بالنسبة للبيئيين).
لا يبدو اللجوء إلى حكومة أقلية خيارا ممكنا بالنسبة للزعيمة الألمانية ميركل، لذلك فإن سيناريو انتخابات سابقة لأوانها يبدو غير مستبعد، وهو ما سيجعل من الأنظار تتجه نحو الرئيس الألماني الذي لا يترك له النظام الدستوري لألمانيا الكثير من الصلاحيات في الظروف العادية.
عموما، ما يقع في القوة الاقتصادية الأولى داخل القارة العجوز، ليس سوى امتداد طبيعي للتحولات الكبرى التي تعرفها «الحزبية الأوروبية»، وهي تحولات ترتبط بالانتقال من حقل حزبي مهيكل بطريقة ثنائية من طرف يسار اشتراكي ديمقراطي ويمين ليبرالي،إلى مشهد حزبي يعرف صعودا لليمين الشعبوي ولحساسيات يسارية جديدة، وهو ما يعني انتقالا إيديولوجيا لمواضيع السياسة والتناوب من السياسات الاجتماعية وأسئلة ما بعد دولة الرعاية إلى القضايا المجتمعية وأسئلة الهوية والقيم.

بقلم : حسن طارق

حسن طارق