كتاب وأراء

بين الفيروزيين والكلاثمة

أمس كان يوم ميلاد فيروز الثاني والثمانين..
وفيروز ليست مطربة،
فيروز مرحلة إنجازية في عالم الإنسان،
مثل مرحلة الأهرامات وتاريخ برج إيفل وتمثال الحرية.
فيروز حالة من الطرب تشبه الهيام والإدمان، إن دخل صوتها في أذنيك يبقى يتردد في روحك حتى الممات.
والناس، كل الناس، عربها وعجمها في الغناء على ضربين:
كلاثمة وفيروزيون.
ثمة فرق في التفاصيل، لكن لا فرق في الإعجاز.
الكلاثمة يشتهرون بالأذن الموسيقية التي تلتقط الهفوة في الأغنية حتى لو كانت بحجم رنة الدبوس إن سقط على تراب مبلول.
لذلك لم يكن في جوقة أم كلثوم الغنائية إلا صفوة من أنجبت الرحم الموسيقية العربية،
والتي عقمت بعد أن ماتوا.
فكان الوريث شعبان عبد الرحيم وحكيم!!
الكلاثمة غلابا في العموم،
سواقو تاكسي، بوابون، موظفو أرشيف،
طقوس سماعهم لا تتعدى كأس شاي ثقيل من «أبو جنيهين»، وسيجارة كليوبترا مخلوطة.
الكلثوميون يبدأون يومهم بالشيخ الحصري، وينهونه بأم كلثوم، وما بين الصوتين يكمن معدن الإنسان الكادح.
لكن الفيروزيين غالبا يكونون من طبقة المخمل والملاعق الذهب، يبدأون يومهم بفيروز حتى قبل صياح الديك.
يعتبرون صوتها مع فنجان القهوة التركية السادة، هو مفتاح التشغيل لكل خلايا الجسد، ولن تعمل الحواس إن لم تصلها لذعة / لذة فيروز.
الفيروزيون غالبهم من أهل الطرابيش والسيجار أهل العمائم الحريرية والدولار.
الفيروزيون غالبهم من المثقفين النخبويين الذين يكتبون لأنفسهم ولا يصفق لهم إلا أصدقاءهم.
بعضهم يعتبر فيروز من تشكيلات الثقافة العربية التي لا تتم إلا معها:
سيجارة مع قهوة مع نظارة قراءة تنسدل على الأنف مع ذقن طويلة وبرنيطة جانبية و... فيروز.
الكلثوميون فقدوا أم كلثوم..
الفيروزيون احتفلوا بميلادها أمس وهي تغني:
أعطني الناي وغني فالغنا سر الوجود..
بقلم : بن سيف

بن سيف