كتاب وأراء

من يجبر الشعب الفلسطيني على الرضوخ؟

الكلام الذي تناقلته وسائل إلاعلام عن صفقات إقليمية لتسوية القضية الفلسطينية تقضي بالتنازل عن حق العودة وتدويل مدينة القدس، يذكرنا بنفس الأقاويل التي ترددت إبان جولات وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري في المنطقة، ومحاولات إدارته الديمقراطية التوصل لحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي.
دبت المخاوف حينها في أوساط الرأي العام العربي والفلسطيني خصوصا، وتعاملت قوى سياسية ونخب فاعلة مع تلك التخمينات، بوصفها قدرا واقعا لا مفر منه.
في وقت لاحق ثبت بأن كل محاولات كيري قد بأت بالفشل بسبب التعنت الإسرائيلي لا الموقف العربي. بمعنى آخر حكومة إسرائيل اليمينية لم تترك مجالا للعرب لقبول أو رفض العرض الأميركي، لأنها في الأساس لا تريد حلا يمنح الفلسطينيين أيا من حقوقهم المشروعة.
وقبل أيام كرر تنتياهو مواقف حكومته المتعنتة برفض أية خطة تتضمن تنازلات جوهرية للفلسطينيين.
إدارة ترامب مختلفة جذريا عن إدارة أوباما، وهي اكثر انحيازا لإسرائيل، وليس متوقعا منها أن تقدم عرضا مقنعا للفلسطينيين.
المؤسف والخطير هذه المرة ما تقوله أوساط فلسطينية مطلعة عن ضغوط سعودية على الرئيس الفلسطيني محمود عباس لتقديم تنازلات جوهرية في إطار ما بات يعرف بصفقة القرن.
لكن لو سلمنا جدلا بأن هناك عرضا للتسوية يتضمن تنازل الفلسطينيين حقهم بالعودة والتعويض، فهل هناك قوة على وجه الأرض يمكن أن تجبر ملايين الفلسطينيين ومن خلفهم العرب بتقديم هذا التنازل، أو التسليم لرغبات الوسيط السعودي؟
من هي الدولة العربية التي تستطيع أن تفاوض نيابة عن الفلسطينيين وتتنازل عن حق تاريخي مقدس؟ ومن هو الزعيم الفلسطيني، مهما بلغ من الاعتدال والمرونة، الذي يمكنه التوقيع على اتفاق يجرد شعبه من هذا الحق مقابل تسوية لن تمنحه أكثر من محمية تحت سيطرة الاحتلال؟
لقد قيل الكثير بحق الرئيس عباس، لكن الرجل الذي يقترب من نهاية عهده لم يجرؤ يوما على توقيع صلح مع إسرائيل مقابل تنازلات بهذه الخطورة.
تستطيع دول عربية كثيرة أن تفتح خطوط الاتصال مع إسرائيل سرا وعلنا، وقد حصل ذلك منذ زمن بعيد، لكن من الوهم الاعتقاد بأنها قادرة على فرض تسوية تمنح علاقاتها مع إسرائيل غطاء الشرعية.
المبادرة العربية للسلام كانت أكثر العروض العربية مرونة، ومع ذلك لم تلق قبولا من حكومات إسرائيل،حتى عندما أبدى بعض العرب استعدادا لتعديل بنودها.
وفي أدبيات الصراع مع إسرائيل استقرت حقائق كثيرة كالقدس مثلا، ليس بمقدور أية دولة التحايل عليها أو تخطيها، وأي محاولة للتلاعب فيها ستكون خدمة مجانية لإسرائيل.
في الأسابيع الأخيرة زاد الحديث عن خطة أميركية وشيكة لاستئناف مفاوضات السلام ضمن جدول زمني. لقد تعهد الرئيس ترامب بتقديم عرض كهذا، لكنه التزم أيضا بعدم فرض التسوية على الطرفين،أي أننا أمام عرض اختياري وغير ملزم،إذا ما تم رفضه من أحد الأطراف فإنه سيقوم بسحبه، ليلتفت لشؤون أخرى في مناطق أخرى من العالم.
ليس معروفا بعد محتوى العرض الأميركي، وينبغي التعامل معه بجدية لكن دون أوهام أو توقعات مبالغ فيها.
إذا كان هناك من أمر يستحق القلق والخوف فهو عدم توفر الإرادة الدولية لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا، وليس صفقة مريبة يمكن للفلسطينيين دوسها بالأقدام.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان