كتاب وأراء

ما بعد استعادة حقول النفط المستباحة

يتوقع أن تبدأ المفاوضات السياسيةِ بين الحكومةِ الاتحاديةِ العراقيةِ وحكومة إقليم كردستان العراق في وقتٍ قريب جداً، بعد أن استجابت قيادة الإقليم لمُعظمِ مطالب الحكومة الاتحادية، وأعلنت التزامها بــ«البحث عن حل الخلافاتِ مع بغداد بطرقٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ».
إذاً، باب المفاوضات المُغلق بين الحكومةِ الاتحاديةِ وحكومةِ إقليمِ كردستان العراق، منذ تنفيذ استفتاء الانفصال في 25 سبتمبر 2017 الماضي.
بات الآن مفتوحاً، حيث تُريد الحكومة المركزية الاتحادية الانطلاق في المفاوضات على مستوى لجانٍ فنيةٍ قبل أي شيء آخر، لتسهيلِ فرضِ سيادتها على الحدود والمطارات والنفط، واستعادة السيطرة على ثروات النفط المنهوبة والمستباحة عملياً منذ العام 1991.
ويتوقع أيضاً أن تكون المفاوضات صعبة وغير سهلة، خصوصاً أن حكومة إقليم كردستان العراق وبقيادة الرئيس السابق للإقليم مسعود بارزاني كانت قد وقّعت عقوداً واتفاقيات غير نظاميةِ، وغير قانونيةٍ، مع عددٍ من الشركات النفطية العالمية ببلايين الدولارات من دون إذنٍ من الحكومةِ الاتحاديةِ، وهي عقود تتعلق بالإنتاجِ والتصديرِ، الأمر الذي يَطرَح تعقيداتٍ كبيرةٍ في هذا الملف قد تتداخل فيه مصالح قوى كبرى وإراداتٍ دوليةٍ.. فحقول كركوك تُعْتَبَرُ من بين أكبر وأقدم حقولِ النفطِ في المنطقةِ، باحتياطياتٍ قابلةٍ للاستخراجِ قدرها تسعة مليارات برميل وفقاً لمعطياتٍ أوردتها العديد من كبرى شركات إنتاج النفط في العالم، وهو ما يُسيل لعاب شركات النفط من الدول الكبرى ذات المصالح.
لقد أخطأت حكومة إقليم كردستان العراق بتوقيعها اتفاقيات نفطية بعيداً عن إرادة وقرار الحكومة الاتحادية، وكان آخرها ما حصل أيضاً مع المجموعة الروسية العملاقة (روسنفت)، التي كانت قد دفعت سلفة قدرها (1.3) بليون دولار إلى سلطات إقليم كردستان العراق، في إطارِ اتفاقٍ تم توقيعه لشراء النفط الخام انتقدته بغداد في حينها بشدة.. كما سمح الاتفاق المذكور للشركة الروسية تقاسم إنتاج خمس رقع نفطية في الإقليم، مع اتفاق لتطوير حقول النفط كلها عام 2021.. وانتقدت وزارة النفط الاتحادية العراقية اتفاقيات إضافية وقعتها حكومة الإقليم، ومعها عقود شراكة في الإنتاج، مع شركات مثل (فيتول) و(بتراكو) و(ترافيغورا) وغيرها، ووصفتها بـ«التدخل الفاضح في الشؤون الداخلية للعراق.
ونشير هنا، إلى أنَّ عملية استباحة نفط العراق، وعلى وجه الخصوص نفط الشمال ومنطقة محافظة كركوك، تمت بشكلٍ كبير خلال المرحلة التي تلت الحرب التي وقعت في منطقة الخليج والعراق بعد العام 1991، حين فرضت الولايات المتحدة حظراً على الطيران العراقي (وعلى الدولة العراقية) في شمال العراق (إقليم كردستان) وأصبح هذا الجزء من العراق «محميّة دولية» تحت إدارة صورية شكلية (إدارة شؤون الناس المدنية والاجتماعية فقط) من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني ومجموعات البيشمركة، وتحت إدارة فعلية أميركية وغربية، حيث نفوذ وعمل شركة (إكسون)، وكذلك شركة (شيفرون)، حيث عَملت كل منهما على استغلال نفط كردستان العراق، وكذلك نفط كركوك ومناطق أخرى في محافظات الموصل (مخمور والقوش) لصالح سلطة إقليم كردستان العراق.
الآن، وباسترجاعِ الحكومةِ الاتحاديةِ العراقيةِ لحقول نفط كركوك، يُصبح مُمكناً الحديث عن إعادة ترتيب ومراجعة كل الاتفاقيات النفطية التي وقعتها حكومة إقليم كردستان وفقاً لمصلحة العراق الواحد الموحّد، والبحث في قضايا وملفاتِ إقليم كردستان العراق، بما في ذلك مسألة الموازنات المالية، وتكريس العدالة في توزيع الثروات الوطنية العراقية بين كل المناطق والمحافظات بما في ذلك إقليم كردستان العراق على وجه الخصوص.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان