كتاب وأراء

الظاهرة الإرهابية في طبعتها «الداعشية»

برغم التأكيدات المتتالية من كل الأطراف المعنية بالتصدي لظاهرة الإرهاب والقضاء عليها، تتأكد بالمقابل المؤشرات على أنها حرب ستطول كثيرا لأن جبهة المواجهة منقسمة على ذاتها أفقيا ورأسيا، بينما الطرف القائم بالإرهاب متوحد ويتغذى على هذا الانقسام، فضلا عن كونه يمثل إرهابا بنيويا ومنظما يختلف عما كان عليه قبل ظهور «داعش». وطالما لا تعترف جبهة المواجهة بالحقيقة تظل تعهداتها ووعودها ضربا من الاستهلاك المحلي لرفع الحرج.
لقد أصبح جليا للجميع أن هناك ثلاثة أطراف معنية بشكل مباشر بهذه الحرب هي: أولا القوى العالمية وثانيا القوى الإقليمية أي الدول المحيطة مباشرة بمواقع الإرهاب، وثالثا القوى المحلية أي الجماعات الداعمة والحاضنة لهذه التنظيمات داخل كل دولة تنطلق منها هذه التنظيمات. وربما لا يشكل هذا التصنيف جديدا عند البعض، حيث كان موجودا بالتأكيد في الماضي القريب عندما كان العالم يحصر الإرهاب في القاعدة وتركز نشاطها في أفغانستان واليمن وقليلا بعض الشيء في الجزائر ومالي والعراق عقب سقوط نظام صدام حسين. ولكن تداخل هذه الأطراف في تلك المرحلة ظل محدودا وغير مباشر لأن حجم النشاط وقوة تأثيره ظل محدودا، مقارنة بما أصبح عليه الحال مع ظهور تنظيم «داعش»، ولأن الأنظمة التي عانت مباشرة من هذا النشاط ظلت قائمة وقادرة على التصدي ولأن القاعدة لم تكن بنفس القدرات التنظيمية وظلت مجرد فكرة عند المؤمنين بالجهاد المسلح ضد الأنظمة الحاكمة و«جبهة الصليبيين». ولكن بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي حدث تطور جديد في ظاهرة الإرهاب ذو شقين هما سقوط الأنظمة المعنية مباشرة بتاريخ الظاهرة من ناحية ولم يعد الجهاد المسلح من ناحية أخرى مجرد فكرة ولا مجرد تنظيم أيا كانت حبكته التنظيمية، وإنما تطور بنيوي في القاعدة الاجتماعية والسياسية ليس في المواقع المعروفة أو التقليدية لنشوء وتطور ظاهرة الإرهاب بل تيار له أتباعه ومتعاطفون معه، حالمين أو مسكونين بفكرة استعادة الخلافة الإسلامية بالعمل المسلح الذي يشمل إلى حد ما الأعمال الانتحارية. لقد تحول الإرهاب إلى إيديولوجية جهادية تقارع الأيديولوجيات السياسية المعروفة.
كان من المفترض والأمر كذلك أن تبدو مواقف الأطراف العالمية والإقليمية والمحلية متوحدة وفاعلة في مواجهة الظاهرة الإرهابية في طبعتها الداعشية وذلك من منطلق وحدة الخطر وجسامته في نفس الوقت ولكن ما حدث هو عكس ذلك تماما حيث الانقسام وانعدام الفاعلية. فقط وجدنا زخما في التعهدات والوعود لأن جبهة المواجهة وقعت بإرادتها في شبكة من الفخاخ الانقسامية لم يسبق لها مثيل، حيث انقسمت أفقيا ورأسيا. فما من طرف من هذه الأطراف إلا ويعاني من انقسام في صفوفه (داخليا) ومن انقسام في تحالفاته الدولية (خارجيا). لقد وجدنا الخصومات الفكرية والمصلحية بين الجميع قائمة بنفس قدر الاتفاقات! بمعنى أنه من الممكن أن نجد اتفاقا أو توافقا حول جزئية ما من أية خطة تحرك ونجد في نفس الوقت خلافا بين نفس الطرفين في جزئيات أخرى. وداخل الطرف الواحد تتكرر نفس الحالة بما يعني أن المحصلة النهائية هي صفر في كل الأحوال.
جميع الأطراف المعنية لا تلوم إلا نفسها فيما حدث من وصول الإرهاب في طبعته الداعشية إلى حد الانتشار الواسع والاستعصاء على المواجهة. كلها قد شاركت بشكل أو بآخر في استحضار الشيطان، ولا تستطيع بأدائها الراهن أن تصرفه لأسباب بسيطة واضحة لكل ذي عينين تتركز أساسا في وجود شبكة من فخاخ الخصومات المتبادلة لم يحدث لها نظير من قبل. قد تنجح محاولات الاحتواء لخطر الإرهاب ولكن الاحتواء لا يعني القضاء على الظاهرة. تلك الاستراتيجية (الاحتواء) لم تنجح من قبل في سنوات مضت ووقت أن كان الإرهاب أقل حدة وانتشارا، فما بالنا وهو قد تحول إلى أيديولوجية لها أتباعها والمتعاطفون معها. أيديولوجية شمولية تقوم على الجهاد بالانتحار في عصر وفر كل وسائل الانتشار (سهولة التمويل والاتصال والترويج الإعلامي).

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد