كتاب وأراء

التصعيد الألماني ــ السعودي

تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ بضعة أشهر تصعيداً متزايداً مقارنة بالوضع المتأزم المتعارف عليه في المنطقة. جديد التصعيد هو التصعيد الآخذ في التزايد بين ألمانيا وبين المملكة العربية السعودية. فالبلدان اللذان يبلغ التبادل التجاري بينهما أكثر من عشرة مليارات يورو، دخلت العلاقة بينهما في أزمة استدعت على أثرها الحكومة السعودية سفيرها في برلين للتشاور.
السبب وراء استدعاء السفير هو تصريحات وزير الخارجية الألماني زيغمار غابريال في أعقاب استقالة سعد الحريري الغامضة والتي قال فيها «إن هناك إشارة مشتركة من جانب أوروبا إلى أن روح المغامرة التي تتسع هناك منذ أشهر عدة لن تكون مقبولة ولن نسكت عنها». هذه التصريحات ليست الأولى التي يصدرها المسؤول الألماني في سياق حديثه عن تطورات إقليمية مرتبطة بالسياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية. اذ سبق وانتقد الحصار الذي فرضته الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة على قطر معتبراً أنه حصار قاس.
المواقف الألمانية المتصاعدة نحو الرياض لها سياق تاريخي وإن بدت جديدة. فالبلدان مختلفان بشأن البرنامج النووي الإيراني. فألمانيا التي لعبت منذ العام 2003 دور الوسيط مع فرنسا وبريطانيا لحل الملف النووي، تزايد دورها حين دخلت الدول دائمة العضوية الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، وأصبحت أحد أهم اللاعبين الذين ساندوا التوصل للاتفاق النووي مع إيران. بمثل هذا الفهم تجلى الاختلاف بين الرياض وبرلين، حيث لا توافق برلين الرياض في تقييمها للدور الإيراني والبرنامج النووي. عدم التوافق هذا مصدره النظرة الشاملة الألمانية لفكرة الاستقرار في المنطقة وانعكاساتها على أوروبا وألمانيا بشكل خاص. ترى برلين أن عدم الاستقرار في منطقة مشتعلة مثل الشرق الأوسط أو منطقة الخليج من شأنه أن يغذي التطرف والإرهاب اللذين بدورهما يعبران الحدود رغم كل الإجراءات الأمنية. فالعنف والتطرف ومشاكل اللجوء التي شهدتها أوروبا مرتبطة بعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وفي هذا السياق فإنه يبدو أن لدى ألمانيا تصورا أن التطرف المرتبط بتفسير معين للإسلام مرتبط بالسعودية، وأن مثل هذا التصور الأمني السياسي لا يبدو بعيداً عن مسارات السياسة الخارجية الألمانية وخطابها الإعلامي المتعلق بالرياض.
لم تكن برلين راضية عن الحرب في اليمن، ولا يبدو أنها راضية عن التبعات لتلك الحرب من تأثير على الشعب اليمني من حيث انتشار الأمراض والاستهداف للمدنيين والخسائر الكبيرة بينهم. هذا الموقف الناقد للعملية العسكرية التي تقودها السعودية لا يبدو أنه متوقف عند اليمن، بل تبعه الموقف من الحصار على قطر كما سبق وأشير، وانتهى عند تبعات استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الغامضة من الرياض.
يبدو جلياً أن برلين تحاول أن تختار مساراً مختلفاً عن الأوروبيين وعن الولايات المتحدة الاميركية في منطقة يسعى فيها معظم اللاعبين الخارجيين أن يكون لهم دور في صياغة الاحداث وتشكيلها. هذا الدور لا يبدو متأثراً بالمصالح الاقتصادية فقط، ولكنه متأثر بفكرة المحافظة على الاستقرار في المنطقة والذي تنعكس آثاره الايجابية والسلبية خارج حدود المنطقة ومنها ألمانيا.
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري