كتاب وأراء

صفقة كوشنر الفاشلة سلفا!

لم يكن جاريد كوشنر رجل الأعمال اليهودي وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفقه شيئا في السياسة وعلومها قبل أن يصبح ترامب رئيسا للولايات المتحدة منذ أقل من عام، وكل ما كان يقوم به هو عقد الصفقات التجارية ودعم إسرائيل ماليا كما يقوم معظم رجال الأعمال اليهود في أنحاء العالم، لكن جاريد كوشنر تحول بين يوم وليلة إلى كبير مستشارين؛ أي بدرجة رئيس وزراء في أكبر حكومة في العالم وهي حكومة الولايات المتحدة الأميركية، وأصبح الرجل الذي كان مجرد رجل أعمال يعقد الصفقات إلى رجل دولة يقدم المبادرات والحلول للقضايا التي عجز السياسيون عن حلها طوال عقود متناسيا أن الصفقات التجارية تختلف جذريا عن الصفقات السياسية، وأن رجل الأعمال الذي تحركه الأرباح والصفقات يختلف عن رجل السياسة الذي يتحرك وفق التوازنات والمصالح والعلاقات المعقدة والتركيبات المتشابكة للقضايا.
وحمل كوشنر على عاتقه إنهاء واحدة من أعقد وأقدم القضايا في العالم وهي قضية فلسطين، التي ابتدأت مع وعد بلفور قبل مائة عام ولازالت قائمة حتى الآن، وهي قضية غير مسبوقة قائمة علي استلاب دولة وإقامة دولة أخرى مكانها وفق معتقدات توراتية دينية ومصالح سياسية وعسكرية، وبسذاجة منقطعة النظير اعتقد كوشنر أنه بعدما جلس عشرة أشهر يدرس القضية الفلسطينية- حسب زعمه- فإنه قادر على إنهائها من خلال علاقات وترتيبات يمكن أن يقوم بها مع بعض حكام المنطقة، وبالفعل قام كوشنر قبل أيام بزيارة سرية للسعودية التقى خلالها بن سلمان وعرض عليه الخطة، وسرعان ما قام بن سلمان باستدعاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للرياض على غرار استدعائه لرفيق الحريري وعرض على محمود عباس صفقة أو خطة كوشنر وخيّره ببساطة بين أمرين إما أن يقبل بما يمليه الأميركان أو يستقيل، هذا ما نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية في 14 من نوفمبر الجاري، وأكدت أن محمد بن سلمان يرغب في إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل لكنه في نفس الوقت لا يريد أن يتهم بخيانة القضية الفلسطينية أو يظهر بمظهر المدافع عن القضية الفلسطينية في ظل المعركة التي يعدها مع إسرائيل ضد حزب الله وإيران.
صفقة كوشنر باختصار تقوم على رؤية إسرائيلية بالأساس تلتهم ما بقي من فلسطين دون أي مقابل وتحويل أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية والعسكرية أدوات في أيدي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وحراسا لأمنها كما تجعل السلطة بكل أدواتها مجرد خدم وأدوات في أيدي إسرائيل، كما أنها تلغي حق العودة للفلسطينيين وتمنح القدس وأجزاء واسعة لإسرائيل، وهذه الصفقة بكل محتوياتها أقل بكثير مما سبق أن رفضه ياسر عرفات في كامب ديفيد أو السلطة الفلسطينية في كل مراحل التفاوض والصفقات السابقة رغم حجم التنازلات الهائلة التي قدموها، وإذا قبلنا أن محمود عباس يقوم بوظيفة لكنه ليس في النهاية صاحب القرار في قضية فلسطين التي هي قضية الأمة شاء من شاء وأبي من أبي، وبالتالي فإن صفقة كوشنر هي صفقة فاشلة حتى قبل أن يتم الترويج لها وقبل أن تبدأ.

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور