كتاب وأراء

أخلص الأصدقاء

في مقدمة الكتب في حياتي لهنري ميللر جملة بسيطة يختصر فيها قيمة الُكتاب والكتب التي بقيت معه عبر السنوات:- «الكتاب ليس فقط صديقاً، بل يصنع لك أصدقاء، وعندما تمتلك كتاباً ذا عقل وروح، تغتني، ولكن عندما تعطيه لشخص آخر تغتني ثلاثة أضعاف»، قد يبدو هذا الكلام مبتذلا، ولكنه حقيقي رغم تحفظي على الشق الأخير منه.
حين نقرأ لا نبحث عن أفكار جديدة وحسب، بل عن رؤية أفكارنا الخاصة بوضوح، عن الكلمات التي تنبهنا لأشياء غفلنا عنها، وأشياء تؤثر فينا وتغيرنا، كانت لدي صديقة منذ أيام الطفولة، درسنا معا كل الفصول، وتخرجنا من نفس الجامعة، وهي الوحيدة التي ظلت على تواصل معي، تزورني مرة كل عام، وتحديدا في الفترة التي تسبق إجازة الصيف، أي مرة كل تسعة أشهر، ولا تغادر إلا وهي تحمل أكياسا من الكتب، في البداية كنت أحتفظ لها بالكتب التي أعجبتني لتشاركني متعة الاستمتاع بها، بالاضافة إلى الكتب التي تنتقيها بنفسها عشوائيا، ثم بدأت أشعر بالاستياء والغضب وإن لم اجرؤ على مصارحتها علنا باستيائي، وان كانت تعابير وجهي ونبرة صوتي تفصح عن ذلك بوضوح، وفي كل مرة أسألها عن الكتب التي استعارتها تقول لي بكل براءة إنها نسيت احضارها، وانها ستبعثها في وقت لاحق مع السائق، ولا يحدث هذا.
وفي زيارتها الأخيرة قبل ان تنشغل بالزواج واستقبال مولودها الأول وذلك لحسن حظي، أقسمت بأنها أعادت الكتب.. كل الكتب.. لكنني نسيت، تصوروا! ولا أدعي ان لي ذاكرة من حديد، فأنا أنسى كثيرا كمعظم الناس، لكنني لا أنسى كتابا قضيت وقتا قصيرا أو طويلا أقلب صفحاته، وأنفض عنه غبار الاهمال والنسيان، أحيانا في مكتبات فاخرة، وأحيانا في مكتبات آيلة للسقوط تعيش فيها كل الكائنات الحية التي تخطر على بالك، لا أنسى كتابا اخترته بنفسي، لا أنسى كتبي، فأنا مدينة لها بكل تغيير حدث في حياتي، وأؤمن تماما بهذه المقولة «دون كتب يصبح العالم باردا وصامتا، والعدالة ساكنة، وستتوقف الفلسفات والعلوم، وستصبح الرسائل غبية، وكل الاشياء ستحدث في الظلام». وما أكثر الكتب القيمة التي خرجت من مكتبتي ولم تعد، وعلى سبيل الذكر لا الحصر طبعة قديمة ونادرة تحتوي على أشعار أبو نواس، اشتريتها من إحدى مكتبات بغداد، ومجلد الابشيهي «المستطرف في فن مستظرف»، وحصلت عليه من مكتبة صغيرة في ضواحي عمان عاصمة الأردن، وكتب أخرى جمعتها من كل مكان زرته.. وفقدت أكثرها بسبب أشخاص يحبون القراءة.. ولكن لا يحبون أن يدفعوا ريالا واحدا ثمنا لكتاب...
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري