كتاب وأراء

«خطاي نحو الشرق» .. إضافة جديدة

تعاني المكتبة الخليجية من نقص حاد في كتب أدب الرحلات، على الرغم من جمال هذا الفرع الأدبي وفائدته، وبالرغم أيضا من تزايد أعداد من يجوبون العالم من أدبائنا ممن يمتلكون ناصية الكتابة في هذا المجال المتصف بخصوصية وتميز.
وفي اعتقادي أن السبب في تراجع أدب الرحلات يكمن في ثورة المعلوماتية الراهنة التي جعلت أمر التعرف على معالم الدول وأحوالها المناخية والأمنية والاقتصادية، وعادات الشعوب ولغاتهم وأنماط حياتهم، متاحة من خلال ضغط زر، بل أصبح متاحا أيضا رؤية كل المطلوب حيا وبألوانه الطبيعية. وهكذا صار من غير المعقول أن يلجأ الباحث عن معرفة البلدان والشعوب إلى كتاب يتحدث عن هذه الأمور في فترة ما، ومن دون صور حية، وبأسلوب قد لا يفهمه.
أتذكر في هذا السياق أني أصدرت في مطلع التسعينات كتابا تناولت فيه مشاهداتي في عشرات الأقطار التي زرتها في قارات العالم الست، كما تطرقت فيه إلى المفارقات التي حدثت لي خلال تنقلاتي جوا وبحرا وبرا. وقتها كنت متأثرا بإطلاعي في مرحلة عمرية مبكرة على كتابين محددين من كتب أدب الرحلات في العصر الحديث هما: «حول العالم في 200 يوم» لأنيس منصور، و«أيام في الشرق الأقصى» لمحمد حسن فدعق. كتابي الذي أسميته «عشرون عاما من الترحال» لم يلق للأسف نصيبا من الاهتمام.
مؤخرا أضاف «محمد عبدالمحسن الشبل» إلى المكتبة الخليجية كتابا جديدا في أدب الرحلات بعنوان «خطاي نحو الشرق» هو إصداره الأول. حصلت على نسختي المهداة من هذا الكتاب، الذي يـُنتظر أن يتم تدشينه قريبا، فقرأته بشغف في جلسة واحدة، ليس لأن مادته تتمحور حول الشرق الآسيوي التي تخصصت في شؤونه أكاديميا فحسب، وإنما أيضا بسبب أسلوبه المباشر العفوي الجميل الذي يشجع القارئ على الاستمرار في القراءة دون أدنى شعور بالملل.
المؤلف يجول بك، من خلال 240 صفحة، على ماليزيا وسنغافورة وفيتنام والفلبين وأندونيسيا وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية والهند وباكستان والنيبال، واصفا أشهر معالمها، متطرقا إلى بعض عاداتها وتقاليدها الغريبة، عارجا على تاريخها السياسي، مبرزا إنجازاتها التنموية أو إخفاقاتها، وساردا انطباعاته الشخصية عن كل بلد وشعب. علاوة على ذلك يمزج المؤلف ما سبق بإسقاطات مثيرة على الوضع العربي، وبعقد مقارنات بين الدول الآسيوية التي زارها ودول الخليج ــ كلما وجد في ذلك فائدة ــ ناصحا الأخيرة بأن تستعير من الدول الأولى خبرتها لجهة حل المعضلات التي تواجهها في قطاعات التعليم والصحة والإسكان والمواصلات، وملفات تذويب الفوارق الطبقية والاندماج الاجتماعي وتعزيز الهوية الوطنية.
توقف المؤلف طويلا ــ وهو محق في ما فعل ــ أمام التجربتين الماليزية والسنغافورية على اعتبارهما نموذجين جديرين بالتأمل والدراسة. كما توقف عند الإنجازات الخارقة التي حققتها كوريا الجنوبية في شتى المجالات، رغم أنها في حالة حرب منذ سبعين عاما، وشعبها خاضع للتجنيد الإجباري. وقد سررت للملاحظة التي كررها المؤلف في أكثر من موضع حول ضرورة عدم تقييم الهند وشعبها بناء على من نشاهد من هنود يمتهنون الأعمال المتدنية في الخليج. فالهند، خلافا للصورة المطبوعة في أذهان الكثيرين، بلاد شاسعة ذات حضارة موغلة في القدم، وبها من الغرائب والعجائب ما لا تجده في أي مكان آخر. هذا ناهيك أنها اليوم من الأمم الصناعية الصاعدة ذات الإمكانيات العلمية الهائلة.
إعجاب المؤلف بماليزيا وسنغافورة والهند، دفعه لتخصيص فصول مستقلة في كتابه للحديث عن قادتها الملهمين مثل: باني المعجزة السنغافورية «لي كوان يو»، وصانع النهضة الماليزية «مهاتير محمد، ومحرر الهند «المهاتما غاندي».
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني