كتاب وأراء

السودان وأوغندا .. «كلمة السر»

لا تُذكر مدينة عنتيبي الأوغندية حتى تحضر اتفاقية حوض النيل الجديدة التي تسمح بخفض حصتي مصر والسودان من مياه النيل.
موسفيني كان حريصاً على أن يكون الرئيس عمر البشير أول رؤساء دول حوض النيل يزور منابع النيل الأبيض الأولية من مهابط المطر إلى مجاري الروافد الصغيرة؛ قال إنه وجه الدعوة لرئيسي مصر حسني مبارك وعبد الفتاح السيسي ولكنهما لم يحضرا إلى هذه الأماكن.
كانت الحفاوة بادية من الاستقبال إلى الوداع؛ الفرق الشعبية بألوانها الزاهية تغني وترقص وموسفيني يلوِّح بيديه وابتسامة رضا وسرور تعبر ملامح الرئيس السوداني عمر البشير، صور ومشاهد تجول في خاطره وهو ينجز مهمة تصفير الأزمات مع جميع دول الضد الإفريقي ورصف طريق المستقبل بالتعاون والتنسيق لبلوغ غد أفضل للجميع.
هو السير على خط تجفيف منابع التوتر القديم بمد حبال الوصل والصبر الجميل وكف الأذى المتبادل وجعل المنافع الاقتصادية والأمنية فوق الأيديولوجيا ومرارات السياسة وحساباتها المعقدة.
زيارة البشير إلى أوغندا مزيج فريد بين السياسة والاقتصاد والأمن والأنس الحميم بين الرئيسين، الأرقام والهموم تخالط القفشات والضحكات ومحاولات موسفيني المتكررة لنطق بعض الكلمات العربية.
موسفيني يعرف عن السودان أكثر من ما هو متوقع؛ الجغرافيا والتاريخ والقبائل.
ليس بالإمكان معرفة ما حدث في العلاقات السودانية- الأوغندية من تطور إذا لم تكن المقارنة حاضرة بين ما كان في السابق من توتر وعداء وما هي عليه الآن من حميمية وتنسيق، كانت زيارة الـ 48 ساعة أكبر برهان ودليل على تجاوز حقب الماضي؛ حينما كانت أوغندا في الأجندة السودانية عدواً مركزياً لا يكتفي بتحريض وتمويل الحركات المتمردة على الخرطوم منذ حركة الأنانيا إلى الحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق.
لاحظت كغيري وجه الشبه بين يوري موسفيني وجون قرنق؛ ابنيْ جامعة دار السلام، وهما يخلطان ما هو مهم وجاد بالطرف والتعليقات الساخرة مع الاحتفاظ بملامح الصرامة.
في السابق تمدد الدور السالب لأوغندا في السودان إلى المشاركة الفعلية في العمليات العسكرية في منتصف التسعينيات عبر عمليتي «الثعلب الأسود» و«الأمطار الغزيرة».
كان السودان بالنسبة لأوغندا في أعقاب وصول حكومة البشير ذات الخطاب الإسلامي للسلطة في الخرطوم، عدواً استراتيجياً وداعماً لتمرد جيش الرب، لذا ظلت تحذر من التمدد العربي الإسلامي المدعوم من الخرطوم اتساقاً مع المخاوف الجنوبية، ليبلغ التأزم بين البلدين حد قطع العلاقات الدبلوماسية في 1995 م.
الوضع الآن تغير تماماً، ما حدث في هذه الزيارة هو امتداد متقدم للتحول من العداء إلى التعاون الحميم ومن تبادل الأذى إلى البحث عن تبادل المنافع.
كان الاقتصاد هو العنوان الأبرز للزيارة حيث ضم الوفد السوداني عدداً من رجال الأعمال في مجالات حيوية، تجارة البن والشاي والأدوية والآليات الصناعية.
الرئيس البشير ابتدر دعوة إلى عقد مؤتمر مشترك للاستثمار في الخرطوم بمشاركة مستثمرين سودانيين وأوغنديين وعرب للترويج لمشروعات استثمارية مشتركة بين البلدين وإقامة شراكات مع القطاع الخاص والمستثمرين، الأمر الذي يعد خطوة كبيرة في علاقة البلدين.
الملف الأمني لم يكن غائباً في أجندة لقاء الرئيسين، وركزا على مجهودات إحلال السلام في الإقليم، وتعزيز عملية الأمن والاستقرار والسلم في منطقة البحيرات، بيد أن الملف الذي كان حاضراً بقوة هو إعادة إحياء مجهودات منظمة الإيقاد والدفع بها باعتبارها المرجعية الوحيدة لدعم جهود إحلال السلام في دولة جنوب السودان، بالإضافة للتواصل مع بقية دول الإقليم لحشد جهودهم في سبيل إنجاز السلام الجنوب سوداني.
سألتني قناة فضائية عن (كلمة السر) في التحول الذي جعل موسفيني يغير من نظرته للحكومة السودانية من العداء إلى التعاون الودود.
قلت إن موسفيني أدرك أهمية السودان ودوره المركزي في المنطقة.
أوغندا كانت الراعي الإفريقي لانفصال جنوب السودان والمستفيد الأكبر من الدولة الجديدة، الآن أصبحت أوغندا متضررة اقتصادياً وأمنياً من اشتعال الحرب الأهلية في دولة الجنوب، أكثر من 72 ألف تاجر أوغندي رجعوا إلى بلادهم عقب اضطراب الوضع، وانهيار عملة جنوب السودان، وأكثر من 5 آلاف عسكري للحفاظ على حكم الرئيس سيلفا كير ميارديت.
موسفيني يدرك أن الحكومة السودانية هي الأقدر بين كل دول الإيقاد على الإسهام في تحقيق السلام بدولة الجنوب بحكم خبراتها وعلاقاتها بجميع الأطراف.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال