كتاب وأراء

اضغط «لايك»

كنت أتريض بالمجمع الذي أقيم فيه، فوجدت صبية شامية، فأومأت لها بالتحية، فردت الإيماءة، فدعوتها للحديث. ودار بيننا حوار عرفت من خلاله أنها فلسطينية، فقلت لها: لقد خمنت ذلك، فصدمتني إجابتها، إذ قالت: لو كنتي شاهدتني بكامل تبرجي لظننت أنني لبنانية. الكل يخالني كذلك! انضمت إلينا شابة أخرى وعند التعارف، تداركت الأمر: أكيد حضرتك لبنانية، كوننا نرى الشوام - قطعية واحدة، تمامًا كما كنت أرى في صباي أنه لا فرق بين الصينيين واليابانيين- فصدّقت حدسي وأضافت: لكن بقليل من التزين يعتقدون أني باريسية! انضمت إلينا سيدة بدت مصريتها من لهجتها، لكن باقي الجارات قلن لها: من لهجتك تبدين مصرية ولكن هيئتك جميلة ما يشي بأن لك جذورا شركسية! فأمّنت على كلامهم بعدما عليها الانتشاء!
لقد هالني مدى الدرجة المتدنية لنظرتنا لأنفسنا، وتيقنت أن المرآة وحدها ليست كافية لمنح الإنسان شهادة ثقة في هيئته. فكلمة إطراء قد ترفع منسوب ثقة الإنسان في نفسه ككل -ليس في هيئته فقط- وكلمة سيئة كفيلة بتدمير إحساس الإنسان بجدارته لاستحقاق التقييم الجيد أو ما يعرف بالقيمة الذاتية.
«SELF- WORTH» لكم المس قصور المؤسسات التعليمية ومن قبلها قصور دور البيت والعائلة في دعم أبنائها لبناء صورة صحيحة جيدة عن ذواتهم. لذا، فلا غرابة أن نجد بناتنا تتعلق بأول عابر سبيل يلمح لها مجرد تلميح أنها جميلة أو جديرة بالإعجاب كوننا عطشناهن للتقدير.
إن للكلمة لقوة، فما بالنا بأن ينهال على ابنه بوابل من السباب يومي، بالتقريع، بالتسفيه، بالسخرية، بالمقارنة، بالضرب، بالتهميش، بالتحسيس بالدونية أو بالتفاكه بالتندر على سلبيات الابن للتوبيخ.
أي منتج بشري متوقع من هكذا تدمير لحظي لأغلى ما يملك الإنسان.
ولصالح من يقترف الآباء تلكم الشناعات بدم بارد وبتكرار مطمئن من أي عقوبة اعتقد أن الـ DISTORTED IMAGE
أو الصورة المشوهة للإنسان عن نفسه هي أبسط نتائج هذا الدمار العائلي المُهَنْدَس من قبل الأسر والمؤسسات التعليمية التي تستبيح كرامة الطالب لمجرد أنهم آمنون من العقاب الدنيوي.
وبالتبعية يسوءني أن ألمس عالما كبيرا مهزوز الثقة في قدراته الإبداعية كونه دائم وضع نفسه على ميزان المقارنة مع أسلافه من أسماء حظيت بشهرة حتى من أناس لم يقرؤوا لهم أو عنهم. ربما يكون ذلك خشية أن يتهم المرء بالكبر فيدفع بتمثيل تواضع مزيف.
حري بنا دعم صغارنا فالعناق، القبلات، ربته الكتف، التصفيق، «ضغطة اللايك» والبشاشة، كلها أشياء مجانية ترفع قيمة الإنسان أمام نفسه والآخرين تؤكد له جدارته فلا ينجرف لأصدقاء سوء أو أزواج أسوأ أو أي فرصة يجد فيها المرء ورد لكلمة طيبة لم يعتد على سماعها.
اضغط «لايك».. تؤجر.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي