كتاب وأراء

«القوة الناعمة العربية».. بين المعاناة والإنقاذ

وسط قتامة المشهد العربي المعاصر، تبقى بارقة الأمل قائمة في تسخير القوة الناعمة العربية للخلاص من مظاهر التردي والوهن الراهنة داخليا وخارجيا، واستعادة تأثيرها على الجذب والإقناع مجددا. ولكن بارقة الأمل تتوقف على نقل هذه القوة من حالة المعاناة التي تعيشها في السنوات الأخيرة إلى وضعية الإنقاذ، وذلك من خلال تحفيز كل عناصر القوة الناعمة على الانطلاق، وتحريرها من الضغوط السياسية وخلافاتها.
القوة الناعمة هي الوجه الآخر لقوة الدولة غير ما يتوافر لها مما يسمى بالقوة الصلدة أو الصلبة والمقصود بها القوة المشتركة السياسية والاقتصادية والعسكرية. ويندرج تحت هذا الوجه الآخر ما تمتلكه الدولة من أفكار ومبادئ وأخلاق عبر العناية بمجالات التحضر والمدنية وحقوق الإنسان والثقافة والآداب والفن بكل صوره. وتهدف القوة الناعمة إلى تحقيق التأثير والإقناع والجذب بقدراتها داخليا وخارجيا دون اللجوء إلى الإكراه أو استخدام القوة.
ولعالمنا العربي جانبه الحضاري القديم والشواهد عليه لا تحتاج لبيان، ويتسم بالتنوع الثقافي بفعل تعدد مكوناته المجتمعية مما يمنحه ثراء إنسانيا فريدا، وكونه يتحدث بلغة واحدة مهما اختلفت لهجاتها، ومنفتحا على العالم الخارجي، ولأبنائه من المثقفين والكتاب والمبدعين في الشعر والقصة والغناء والموسيقى باع طويل يجعلهم في الصفوف الأولى بين أقرانهم الأجانب. وبناء عليه كان رقما حقيقيا في السياسة العالمية في وقت من الأوقات.
ولكن هذه الصورة المضيئة تراجع بريقها تدريجيا مع دخول عالمنا العربي في سلسلة متواصلة من النكسات والأزمات في العقود الأخيرة. هكذا بدأنا نتابع تقارير التنمية البشرية التي كانت تصدر تحت رعاية الأمم المتحدة وكلها كانت تحذر من تراجع المؤشرات على تحقق القوة الناعمة العربية. ومع توالي الأزمات والخلافات السياسية فقدت القوة الناعمة استقلاليتها كوجه آخر لقوة الدولة واستسلمت للتسييس.
وجاء ظهور التطرف والإرهاب ليحكم الخناق على القوة الناعمة العربية لأنه أعلن من البداية أن حربه مع النظم القائمة هي حرب مع هذه القوة الناعمة. لقد كانت هذه القوة الناعمة بمثابة حائط الصد الأول لهذا الخطر بوصفها مصدرا رئيسيا لتوفير المناعة الطبيعية عند شعوب المنطقة ضد كل التهديدات غير المسلحة التي تمس وجودها القومى، وأما كل أدبيات تنظيم «داعش» على سبيل المثال فقد كانت موجهة للإجهاز على كل مقومات أو عناصر القوة الناعمة العربية سواء على مستوى الفكر والأيديولوجيا أو الثقافة أو الفنون أو الآثار التاريخية، والشواهد على ذلك قائمة في العراق وسوريا.
الخروج بالقوة الناعمة العربية من المعاناة إلى الإنقاذ لا يزال ممكنا برغم كل ما جرى من تراجع. معارض الكتاب التي تشهدها عواصم عربية من وقت إلى آخر دليل حيوية استعادة تأثير القوة الناعمة لإعادة اللحمة على مستوى الداخل، ولتصحيح الصورة الذهنية عن عالمنا العربي خارجيا. ولا يخفى أن هناك حركة نشطة على صعيد التأليف وإعادة نشر الأعمال الفكرية الأجنبية التي احتضنت في الماضي أفكار التقدم والتنوير، والانتباه مجددا لعمليات الترجمة عن الحضارات الإنسانية المختلفة، وإقامة المتاحف، فضلا عن تزايد الاهتمام بالمهرجانات الفنية. كما تزايد الاهتمام بتقديم الفهم الصحيح للإسلام على المستويين الداخلي والخارجي لوأد الفكر المتطرف. ومن جهة أخرى هناك حركة نشطة في مجالات التعليم المختلفة لبناء أجيال تحمل رسالة التعمير والبناء والانفتاح على العصر.
وحتى تكتمل جهود الإنقاذ، فإن هناك المزيد المنتظر من الحكومات العربية. فالحراك القائم يغلب عليه المبادرات الذاتية والجماعية على المستوى الشعبي، بينما المطلوب هو أن تلقي هذه الحكومات بثقلها المباشر في هذا المضمار لا أن تنشغل بحل خلافاتها السياسية فقط. وطأة المشهد الراهن تقتضى فصل الخلافات السياسية عن جهود استعادة هذه القوة، ومن ثم التركيز على دعم أية جهود شعبية. وهنا فإن تضافر الجهود الرسمية في مجالات الاهتمام بالتراث والثقافة والتعليم يتعين أن يحظى بأولوية في التعاون الثنائي والجماعي.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد