كتاب وأراء

لبنان .. حسابات خاطئة

معادلة الحرب والسلام في لبنان كانت على الدوام محكومة بقرار خارجي، سعودي- سوري- إيراني.
ورغم الانقسام الكبير حول تدخل حزب الله العسكري في سوريا، إلا أن التفاهم الإقليمي المدعوم أميركيا بتحييد الساحة اللبنانية صمد لنحو سبع سنوات.
وفي عز الاستقطاب السعودي- الإيراني، تمكن لبنان من تجاوز الفراغ الرئاسي، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة سعد الحريري.
وبعد ذلك الإنجاز سادت القناعة بأن لبنان نجا من العاصفة السورية والمواجهة السعودية الإيرانية التي تفاقمت في اليمن،وإطلاق إدارة دونالد ترامب لاستراتيجية حصار إيران.
لكن مع التحول الكبير في أولويات المنطقة وقرب هزيمة «داعش» في سوريا والعراق، والتفاهم الروسي- الأميركي المدعوم من دول فاعلة بالمنطقة بكف اليد عن بغداد ودمشق؛ لاستعادة الاستقرار وصولا لتسويات سياسية كبرى، قررت السعودية فتح جبهة جديدة للمواجهة مع إيران وهذه المرة في لبنان دون حساب للعواقب الوخيمة على الاستقرار الهش.
لم يكن هذا التطور بالغ الخطورة متوقعا حتى وقت قريب، لكن تداعيات الأزمة اليمنية، وفشل خيارات التسوية السياسية والحل العسكري، دفعت بالسعودية إلى إلقاء ورقة لبنان في نيران الحرب المشتعلة.
جميع الأطراف في الداخل اللبناني والمحيط العربي فوجئت بهذا التحول في السياسة السعودية، والمؤكد أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري فوجئ أيضا ولم يكن أمامه من خيار سوى الاستسلام للإرادة السعودية.
يأخذ انصار الحريري على حزب الله وإيران افراطهما في توظيف منصب الرئاسة اللبنانية لحسابهما خلافا لما كان متفقا عليه.
ويقال إن هذا السلوك استفز السعودية لدرجة كبيرة، أما القشة التي قصمت ظهر البعير فهي تصريحات علي أكبر ولايتي المستشار المقرب من المرشد الأعلى في إيران، التي أطلقها من السرايا الحكومي في بيروت، وعلى إثرها تم استدعاء الحريري للرياض لتقديم استقالته واحتجازه هناك.
تجتهد أطراف دولية وعربية لفهم الخطوة التالية في لبنان بعد شل نظامه السياسي الهش.وتوافد مسؤولين أجانب على الرياض في الأيام الأخيرة لاستكشاف الموقف السعودي في المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى معرفة مصير الحريري الذي تجمع المعلومات المتوفرة على أنه في إقامة جبرية بمنزله في الرياض.
القوى السياسية في لبنان نجحت في امتصاص الضربة السياسية المفاجئة وكبح مفاعليها داخليا، فجنبت لبنان صادما أهليا، لكن مع مرور الوقت واشتغال ماكينة التصعيد الإعلامي والسياسي، لا يمكن التنبؤ بمجريات الأحداث مستقبلا، ولا بقدرة اللبنانيين على الاحتفاظ بتماسكهم.
خيار التصعيد العسكري يبدو مستبعدا في هذه المرحلة، ولا يمكن التفكير فيه بعيدا عن إسرائيل.
لكن بالإمكان تسخين الساحة الداخلية في لبنان أكثر، خاصة إذا ترافق ذلك مع إجراءات اقتصادية بحقه، وعقوبات مالية لشل نظامه المصرفي؛ لوضع حزب الله وحلفائه في دائرة الاتهام والمسؤولية، بمعنى آخر معاملة لبنان بنفس الطريقة التي تعامل فيها إيران حاليا، وفرض نظام عقوبات عليها.
لن يروق هذا الفعل لأطراف كثيرة في المنطقة والعالم.
روسيا التي دشنت بالأمس اتفاقا مهما مع الإدارة الأميركية حول سوريا يحصر الأزمة بالحل السياسي، لن تقبل بفتح جبهة جديدة في الجوار السوري.
تفجير لبنان لن يخدم أي طرف سوى إسرائيل، وحتى هذا الاحتمال يبقى محل سؤال: هل تسعى إسرائيل حقا لمواجهة مع حزب الله في هذا التوقيت؟ قريبا ستكتشف الرياض خطأ حساباتها، وبأن لبنان مثل اليمن، مأزق جديد لسياساتها في المنطقة.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان