كتاب وأراء

قولوا لهم

ظهر أول مستشفى للطب النفسي في بغداد عام «705» ميلادي على يد الخليفة العباسي المكتفي بالله، وتولى إدارته العالم والطبيب أبو بكر الرازي، وعرفت أوروبا هذا النوع من المصحات عن طريق المسلمين الذين نزحوا إلى الأندلس، حيث قام الأطباء العرب بعلاج المرضى النفسيين   بالموسيقى، وذلك بعد أن اكتشفوا الأثر الفعال الذي تحدثه النغمات في النفس، وإن كان «فيثاغورس» قد سبقهم في ذلك، إلا أن الفضل يعود إليهم في تطبيقه وتحويله إلى علم قائم بذاته، فالإنسان العربي أدرك أهمية النغم منذ زمن بعيد، وقالوا لمن ينكر فائدة الألحان واهميتها: انظر إلى الإبل التي هي أغلظ منك طبعا.. وكيف تصغي لأصوات الحداة فتقطع الفلوات قطعا بحماس، وحدد «ابن سينا» في كتابه الشفاء أوقاتا معينة للعلاج النفسي عن طريق الموسيقى «للصبح مقام وللنهار مقام وللمساء مقام، الرست يصلح عند طلوع الشمس، ومقام الحجاز بعد الظهر، ووقت المغرب يستحسن سماع النوى»، وبذلك توصل ابن سينا إلى مطابقة الألحان على مزاج الانسان، وطبق العثمانيون الذين دام حكمهم ستة قرون هذه النظرية، فأنشأوا مؤسسة لتدريب المؤذنين أصحاب الأصوات العذبة التي تُرغِّب ولا ترهِّب، وشمل هذا التدريب الذي لم يكن يتخطاه سوى قلة معدودة الإلمام بفروع المقامات الموسيقية، وحددوا مقاما لكل صلاة، مقام الصبا لصلاة الفجر، ومقام الرست والحجاز للظهر، والبياتي والحجاز لصلاة العصر، وبهذا كان المؤذن في تركيا يدعو الناس لأداء فريضة الصلاة بصوت رقيق وشجي، واتفق الفلاسفة والأطباء العرب على اصطلاحات علمية موحدة بشأن العلاج النفسي بواسطة الموسيقى، إذ كانوا يطلقون عليه «الخاطر المحمود إلهاماً والخاطر المذموم وسواساً» بمعنى إذا كانت الموسيقى جيدة فهي ملهمة وإذا كانت رديئة فهي مذمومة، وليس ثمة شك في أن الأذواق تختلف، فما تجده أنت صوتا جميلا يجده آخر صوتا منفرا، لا يمكن نكران ذلك، ولكن هناك أمورا لا يمكن بأي حال أن تختلف فيها مهما كان ذوقك مختلفا، أنت لا تستطيع أن تقول عن صوت الحمار مثلا صوتا ملهما وشجيا، فأنكر الأصوات صوت الحمار، ولا تستطيع مهما كان خيالك واسعا أن تقول إن للقمامة رائحة جميلة، وبالتالي إذا كانت هناك موسيقى تساعد على الشفاء فهناك موسيقى تصيبك بالمرض وتدل على المرض، ويحتاج أصحابها لعلاج نفسي مكثف، أن من يدفع مالا ليستمع
لمؤدٍ يبدل الكلمات السخيفة بكلمات أسخف منها مبقيا على لحن قميء لا يتغير ولا علاقة له بالموسيقى فلا بد أنه يعاني من خلل، ومن يعتقد أن دور الفن هو بث الكراهية والعنف وتعميق الخلافات يعانِ من أمراض نفسية ويحتاج إلى علاج فوري، وذلك ببساطة، وكما قالت الأديبة «جورج إليوت» إن لم يساهم الفن باستظهار مشاعر العطف لدى البشر، فهو لا يقوم بشيء أخلاقي.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري