كتاب وأراء

كيف تحولت استقالة الحريري إلى ورطة؟

ألقت المقابلة التليفزيونية التي أجريت مع سعد الحريري من بيته في الرياض يوم الأحد الماضي بكثير من الظلال والتساؤلات وعلامات الاستفهام حول وضعه واستقالته بينما الذين رتبوا المقابلة كانوا يريدون لها عكس ذلك، وبدلا من التركيز على الأسئلة وإجابات الحريري ركزت معظم وسائل الاعلام على لغة الجسد والحالة النفسية والحزن التي كانت بادية على سعد الحريري في اللقاء وكذلك الشخص الذي ظهر خلال المقابلة وهو يحمل ورقة للحريري وغير ذلك من التفاصيل الأخرى التي دلت على أن الحريري ليس حرا.
غير أن هناك جملة لم يقف عندها كثيرون في حوار الحريري لخصت حالة الحزن والقهر التي بدت على الرجل حينما تحدث عن «عائلته»، وأعتقد أن هذا مربط الفرس، كما يقولون، فعائلة سعد الحريري تقيم في الرياض وليس في بيروت، حيث كان يعتقد الحريري أن الرياض هي أأمن مكان يمكن أن تقيم فيه عائلته ويدرس فيه أولاده، بعيدا عن التهديدات في لبنان، لكن يبدو أن وجود عائلته في الرياض كان نقطة ضعفه الكبرى كما ظهر في حديثه، وكما أفادت بعض التقارير، فأصعب شيء في الحياة أن يقهر الرجال بالضنى لاسيما إذا علمنا أن معظم العائلات الميسورة في المملكة قد فرت بأبنائها وأموالها إلى حيث تجد الأمان في الخارج.
ورغم أن الحريري لم يكن يحظى بالشعبية في لبنان، إلا أن اعتقاد اللبنانيين أنه محتجز في السعودية رفع شعبيته بين كل الطوائف إلى حد كبير، لاسيما بعد زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للرياض، التي كشفت أن الحريري ليس حرا سواء في قراره في الاستقالة أو إقامته في الرياض، وقد فاجأ الاتحاد الأوروبي المراقبين يوم الاثنين الماضي حينما اتخذ موقفا موحدا مناوئا للسعودية فيما يتعلق باستقالة الحريري، حيث قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موجيريني للصحفيين يوم الاثنين الماضي، خلال الاجتماع الوزاري لدول الاتحاد الأوروبي في بروكسل «نناشد أولا وقبل كل شيء القوى السياسية التركيز على لبنان، وما يمكن أن تقدمه لمواطنيها، كما نناشد رئيس الوزراء الحريري العودة لبلده وحكومة الوحدة»، وأشارت بشكل واضح للسعودية حينما انتقدت ما أسمته التدخل الخارجي «لتجنب جلب صراعات إقليمية للبنان»، ولم يقف الأمر على موجيريني بل إن وزيري خارجية كل من فرنسا وألمانيا تحدثا بوضوح عن عدم رضا بلديهما عن احتجاز الحريري في الرياض، حيث قال وزير الخارجية الألماني زيجمار جابرييل «إن على الحريري العودة لبلده لأن رحيله هز لبنان»، أما وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الذي تعتبر بلاده حديقتها الخلفية في الشرق الأوسط فقد قال «نحن منشغلون بالوضع في لبنان وقلقون بشأن استقراره وسيادته وعدم التدخل في شؤونه»، وتأكيدا منه على أن الحريري مقيد الحركة في الرياض قال «يجب أن تحظى كل الشخصيات السياسية بحرية كاملة في الحركة حتى يتم التوصل لحل سياسي في لبنان».
كل هذه المعطيات تؤكد على شيء واضح أن الرياض في ورطة كبيرة، اسمها سعد الحريري، لكن سعد الحريري في ورطة أكبر، ملخصها عائلته المرهونة في الرياض.
بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور