كتاب وأراء

.. وماذا بعد أيها الحالمون؟

الأيام حبلى كل حين بالجديد، والجديد كما يبدو وجه لم نعرفه، ولم نختبر وجعه، أو نفهم بعد كل تفاصيله، حيث اعتدنا السكون، والاستقرار في بلداننا لعقود طويلة. لقد تغير العالم من حولنا وكان لابد أن يتغير، حيث إن حركة الحياة، وحقيقة الموت والفناء لا تمنح الخلود لأي شيء في هذه الدنيا، والظلم أيضاً كالموت يقضي على الحياة مهما بدت في ظاهرها كنهرٍ جارٍ. وحيث لم يعد هناك أنبياء تمضي سنة التدافع بين البشر، بين الخير والشر، بين العدل والظلم، بين كل ما يفسد الأرض، وما يصلحها، وسنن الله عز وجل ماضية في أرضه حتى يرثها، ومن عليها.
منذ اندلاع الربيع العربي وما حدث في ثوراته، الزلزال الذي ضرب المنطقة العربية كما وصفته هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، مرورا بحصار قطر وما حدث بعد ذلك فنحن نعيش منعطفا تاريخيا خطيرا في ظل نظام دولي متهالك وُضِع للهيمنة على البشرية حين كان تعدادها لا يتعدى المليارين، وحين كان من السهل حجب الوعي عن الشعوب، واسترقاق العقول، والنفوس لكل منتجات الغرب، ومخرجاته، وحين أجبرنا على تبني الأفكار، والمنظومات المالية الغربية الفاشلة التي ركزت الثروات في يد عدد من الأفراد وغمرت الحكومات حتى الحكومات الغربية الكبرى بترليونات من الديون المتراكمة.
عندما تولى ترامب الرئاسة في أميركا أشار الكثير من العقلاء إلى أن تولي رجل كترامب رئاستها مؤشر أكثر من سيئ خاصة في ظل هذا الوضع الدولي المتأزم، واليوم تأكد ذلك.. خاصة أن المصالح الخاصة لهذا الرجل بدت واضحة في سياساته، العجيب أن ترامب وجد من يماثله، ويكمله في منطقتنا، وكأن القدر أمدنا بتوأم له، وأوجد من يربطهما بعضهما ببعض ليشكلوا مثلثا فريداً يجمع المال، والسلطة، والتهور، مع بعض النفسية الستالينية، وها نحن نشهد مغامرات عسكرية وسياسية، لا نقول إن جميعها بدأت مع ترامب بل تصاعدت، وتلونت، وانكشفت معه حيث إن تحييد أميركا من خلال ترامب أمام كل هذه المغامرات المهلكة أضفت عليها الشرعية، والاستمرارية رغم أنها كما يبدو سوف تأخذ المنطقة نحو الدمار، والتفكك، والسقوط، وكأننا نسحب نحو هاوية جبل عظيم وبفعل بضعة أفراد..
فيزيائيا حركة الأفراد أسهل، وأسرع من حركة الجماعة التي ما زالت تراقب باندهاش، ووجل (هل ما يحدث في منطقتنا حقيقة) أم أن هناك نية طيبة ما زالت تختفي خلف أمنيات هذه الشعوب التي تربت على أن الحرية والكرامة مجرد دعابة أمام وثن الأمن، والأمان؟.
إن إحداث زلازل كهذه في شبه الجزيرة العربية التي فيها مركز العالم والكون، لا يمكن أن يمر هكذا، وقد يؤدي إلى تغير كامل لحقبة من حقب التاريخ، وسقوط أنظمة نخر فيها الفساد والظلم، حتى وجب سقوطها لتسقط معها منظومة كاملة تاريخياً، وحاضراً عملت على حماية، وترسيخ نظم الاستبداد، والاستعمار، والهيمنة على أمتنا العربية، وستذهب كل تريليوناتهم التي جمعوها، وهم معها، إلى مقبرة التاريخ إن شاء الله..
حفظ الله قطر منبراً من منابر الحرية، والوعي في زمن السقوط.

بقلم : مها محمد

مها محمد