كتاب وأراء

تاريخ الفساد أم فساد التاريخ؟

للفساد تاريخ في كل بلد وفي العالم بأسره. هناك فساد محلي وآخر عالمي. وقد استدعى الفساد محلياً تأسيس أجهزة وطنية للمحاسبة وهيئات للرقابة المالية والإدارية من أجل مكافحة جرائم مثل الرشوة والسطو على المال العام والتربح واستغلال النفوذ. أما عالمياً فتعين على الأمم المتحدة أن تتخذ موقفاً حيال انتشار شبكات الفساد في ظل العولمة فاعتمدت الجمعية العامة في أكتوبر 2003 اتفاقية دولية لمكافحة الفساد كان من بين ما دعت إليه الدول الموقعة توثيق وحفظ كل ما يتعلق بالجرائم الجنائية المتصلة بمختلف ممارسات الفساد.
ومن أجل توثيق وتدقيق وقياس مفصل للفساد أيضاً تأسست في ألمانيا في 1993 منظمة الشفافية الدولية التي استطاعت أن تقدم لأكثر من ربع قرن أرشيفاً مفيداً عن التاريخ الحديث للفساد.
وقد نجحت هذه الجهود بشكل أو بآخر في توفير سجلات محلية وعالمية عن تاريخ الفساد. من سرق ماذا ولماذا سرق ومع من رتب ومع من اقتسم وكم هرّب وأين أخفى غنيمته وغير ذلك من المعلومات. وفي عصر المجتمع المفتوح وبفضل وفرة أدوات الاتصال بات الطلب الشعبي على فتح ملفات الفساد كبيراً. الناس تشعر بالفساد بسهولة حتى وإن لم تستطع أن تعرف حجمه. يهمها أن تكشف المستور وتفضح المتورط وتطهر صفوفها وتستعيد ثرواتها. ولهذا من المفيد أن يعرف الناس تاريخ الفساد كل في بلده. وسيكون ما يسمعه الناس من حكوماتهم عن مكافحة الفساد جيداً لو صادف بالفعل نوايا صادقة.
لكن كم من وعود سمعها الناس في منطقتنا وحدها انتهت بهم إلى الصدمة والإحباط؟ كم حملة انطلقت لمحاربة الفساد ثم انتهت بتبرئة ساحة الفاسدين وإعادتهم إلى الواجهة من جديد؟. وما يدور في السعودية هذه الأيام ليس إلا مثالاً واحداً. الناس أصابهم الإحباط. يرون انتقائية في مكافحة الفساد. وهذا في حد ذاته فساد. يسمعون عن أسماء تُتهم في ظروف بعينها ثم يُخلى سبيلها. يجدون أنفسهم أمام شعارات قويمة وظروف معيشية سقيمة. الخطاب يحدثهم بحماسة عن الشرف والواقع يصدمهم بما لدى الفاسدين من ترف. هنا يبدأ كثير من الناس في إعادة التفكير.
يعتقدون في البداية أن كشف تاريخ الفساد سينهي الفساد. أن فتح سجلات جرائم المال العام سيوقفها. أن معرفة العامة بتلك السجلات تعد قوة رهيبة ضد المفسد وسلاحاً في يد القانون. لكن مع كل عودة للمفسدين القدامى وظهور فاسدين جدد ومع اتساع حجم الفساد لم يعد تركيز الناس ينصب على تاريخ الفساد فقط بل بات البعض منهم يناقش فساد التاريخ نفسه. نعم فساد التاريخ.
فالتاريخ الذي استمر لقرون ينتج نخباً تتساهل مع الفساد، تكره المكاشفة وتقمع حرية التعبير. التاريخ الذي جعل التغيير باستمرار في يد فرد واحد يبدؤه متى شاء لو اضطر ويوقفه متى شاء لو ارتأى. التاريخ الذي دارت كافة معاركه على الغنائم والأسلاب لا على القيم والحرية. التاريخ الذي غص بالوكالات عن القوى الأجنبية. التاريخ الذي لم يسجل نجاح دعوة إصلاح أو ثورة واحدة في استدامة ولو بعضاً من أبسط المثل. التاريخ المملوء بقصص النهب منذ زمن السلاطين إلى زمن الخصخصة مروراً بالمماليك والمماليك الجدد. هذا التاريخ كله لا يمكن أن يساعد على محاربة الفساد أو كشف تاريخه. المشكلة إذن ليست في تاريخ الفساد أو في القصص التي تروى عن مئات أو حتى آلاف الأشخاص الخارجين عن طوع الإرادة العامة. المشكلة في فساد التاريخ نفسه. في أن كل أحداثه إما أنها استبعدت أو استعبدت الناس. في أن له منطقا مستقلا يعمل بمعزل عن رغبة كل من حلم بالتغيير. منطق تعضده بنية ذهنية مستبدة تحب الشكل وليس المحتوى. تقبل تأسيس هيئات للمحاسبة ولجان لمكافحة الفساد لكنها تعرف كيف تبقيها صورة بلا معنى لأن لو كان لها معنى لربما كان أول من طالته من أسسها. لجان وهيئات مقيدة تُمنع عنها الاستقلالية وتفرض عليها شروط السمع والطاعة.
تاريخ الفساد من السهل جداً رصده. أما معالجته فيتوقف على القدرة على علاج فساد التاريخ نفسه. على تغيير تلك الذهنية المستبدة الذكية التي تعرف كيف تدعي التغيير مع أنها تقاومه. وتغيير الذهنية المستبد بها كذلك والتي هي أيضاً ذكية متحايلة تعرف أنها تُخدع في كل مرة ترتفع فيها شعارات محاربة الفساد ومع هذا تُظهر أنها تصدق بل وتتحمس وتبارك. ليت مشكلتنا في هذه المنطقة اقتصرت على مواجهة تاريخ الفساد. المشكلة أكبر. إنها مع فساد التاريخ نفسه.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات