كتاب وأراء

أصل الحكاية

رفض نصر حامد أبوزيد أن يصبح الدين سلاحاً في أيدي من يملكون السلطة ولذا هاجموه وكفروه وهو يختصر حكايته في واقعة حدثت معه وتلخص كل المسألة: «في مساء أحد الأيام توقفت أنا وزوجتي عند سوبر ماركت لشراء بعض المستلزمات، وأثناء سيرنا بعربة التسوق، وقف أمامي رجل كبير في السن وأخذ يحملق بي، هيئته ذكرتني بوالدي وجدي، بل وكل الآباء المصريين، أدركت أنه تعرف عليّ، كانت الصحف تنشر صوري تقريباً كل يوم، وبعضها كان يصورني على هيئة شيطان يطعن القرآن والدماء تندفع من النص المقدس، أدركت أنه تعرف عليّ، بدأ يدور حولي، يتفرسني وينظر لي من أعلى وأسفل، ثم سألني: هل أنت....؟، كنت على دراية بما يريد قوله، ففي ذلك الوقت أينما ذهبت كان الناس يسألونني إن كنت الرجل المتهم بالهرطقة، وكنت أجاوبهم: نعم، أنا هو، بنبرة صبر مستهزئ يشعر بالملل، أما هذا الرجل المسن ففقد أعصابه وبدأ يصرخ في وجهي، فتجمع الناس حولنا، ألا تشعر بالخجل من نفسك؟ يجب أن تفعل.. أنا اعرف أن والدك رجل مسلم، أليس كذلك؟ نعم بالفعل، واسمه حامد، وهو اسم في العالم العربي لا يخفي انتماء صاحبه الديني، استمر الرجل موجهاً حديثه إليّ: كيف تعتبر نفسك مسلماً؟ وأنت من أبوين مسلمين تهين القرآن الكريم، والنبي محمد والإسلام، ألا تشعر بالخجل من نفسك؟ لا بد أنك مجنون، ثم استمر الرجل يردد هذه الأسئلة مرة بعد مرة، فقط بعد ترتيب مختلف للأسئلة والاتهامات، سألته في النهاية: من فضلك،هل انتهيت؟» أجاب: نعم، انتهيت، حسناً، من فضلك استمع لي، لقد شاهدتني لمدة عشر دقائق في هذا المكان، شاهدت كل إنش من جسدي ووجهي، هل هذا صحيح؟ وافقني الرأي: نعم، هذا صحيح، إذن أخبرني، إذا لم تكن على دراية بسمعتي، ما هو الانطباع الذي كنت ستأخذه عني؟ هل أبدو لك في حاجة إلى علاج نفسي؟ أم أبدو طبيعياً؟ أنت بالفعل لا تعرفني بشكل شخصي.. ما هو حكمك؟ أعترف قائلاً: أنت تبدو مثل الجميع، سألته: إذن، أنا لست مختلاً عقلياً، لست مجنونا؟، لا، لا تبدو مجنوناً، أكملت المحادثة قائلاً: أخبرني إذن، لو أن شخصاً لا يبدو مجنوناً، بل طبيعي، مثل ابنك ربما، يعمل في جامعة القاهرة في مجتمع مسلم مثل مصر، وأراد الحصول على ترقية ترفع من راتبه ليوافق الزيادة في أسعار المعيشة، هل تعتقد أن هذا الشخص الطبيعي لو تقدم لنيل ترقية سيعلن إلحاده أمام لجنة الممتحنين؟ بدا العجوز منصتاً، تابعت: أنا لا أتحدث عن إذا كان ملحداً أم لا، لدينا بالفعل ملحدون في مجتمعنا ويظهرون أنفسهم كمؤمنين، لكن لو لم تكن صائماً في رمضان، هل ستذهب لتأكل أمام الجميع؟ بالطبع لا، ستذهب لتأكل خلف باب مغلق، إذن لو كنت ملحداً، هل كنت سأعلن هذا أمام الجامعة وأطلب منها ترقيتي.. كيف كنت سترى شخصاً يفعل ذلك؟ أجاب: سيكون مجنوناً بالطبع، لكنك قلت لتوك إنني لست مجنوناً، هل تعتقد أنني مجنون؟، قال: لا.. قلت: هذا صحيح، رجل عاقل مثلي كان سيقدم شيئاً لائقاً للجامعة، شيئاً مخلصاً للإسلام، ثم بعد أن أنال الترقية ربما سأظهر إلحادي، لأنني مثلك تماماً، الحياة صعبة، احتاج لراتبي، وهذه هي زوجتي «قدمت له ابتهال» وأنت تعلم الأسعار هنا، تحول الرجل الذي كان يهاجمني منذ عدة دقائق لرجل هادئ، ثم سألني: إذن، لماذا هؤلاء الناس يتهمونك بذلك، هم ليسوا أغبياء، إنهم رجال دين طيبون؟ اتفقت معه: نعم، هم رجال دين طيبون، هل تريد أن تعرف ما هي المشكلة؟ أجاب في إصرار: نعم، اخبرني، قلت: لقد انتقدت هؤلاء الرجال الطيبين، لأنهم يدعمون شركات توظيف الأموال الإسلامية، ولأنهم نفس الرجال الذين سرقوا الشعب المصري، صرخ الرجل: لعنهم الله جميعاً، لقد كان كل مصري على دراية بالفضيحة التي تحيط بشركات توظيف الأموال الإسلامية، والرجل المسن الذي هاجمني أخبرني أنه عمل في الكويت لمدة عشر سنوات، ثم أودع كل أمواله التي أكتسبها من هناك في إحدى تلك الشركات وخسرها جميعاً.. وعاد يسألني: إذن، هذا هو سبب كل هذا اللغط حولك؟ أجبت: نعم هذا هو السبب تحديداً، هل تعرف اسم هذا الرجل الذي اتهمني بالردة_لقد كان مستشاراً شرعياً لإحدى تلك الشركات- لهذا السبب انتقدته، أنا مجرد مصري مثلك، ولأنه لم يكن لدي أي أموال لأستثمرها، لم أخسر شيئاً مثلك، لكنني كنت أدافع عنك، عن ابنك وحفيدك، هؤلاء الناس استطاعوا أن يسرقوا الآخرين باسم الدين، انهار الرجل: يا بني، لم أكن اعرف، أنا آسف، لم أكن أعرف، ثم تقدم ناحيتي وقبلني واحتضنني وهو يبكي»، انتهت محنة «أبو زيد» برحيله عن هذا العالم، لكنها لم تنته بالنسبة للأحياء بعد.. والتهم الجاهزة ما زالت سلاحاً يتم استخدامه عند الحاجة.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري