كتاب وأراء

الوطن العربي والـ«7» العجاف

- 1 -
خلال «7» سنوات فقط شهد العالم العربي ما لم يشهده طوال الحقب الماضية منذ اتفاقية سايكس بيكو التي وقعت بين فرنسا وبريطانيا على اقتسام الدول العربية الواقعة شرق المتوسط عام 1916، في إطار تقسيم أراضي الامبراطورية العثمانية التي كانت تُوصف بالرجل المريض.
في سبع سنوات عجاف اشتعلتْ الحروب، وتصاعدتْ الصراعات، وتصدعتْ دول، وحدثتْ انقسامات ترتب عليها أضعاف عدد مقدر من الدول العربية ووضعها على حافة الفوضى الشاملة.
بعض هذه الدول ولجتْ عالم الفوضى، والدخول في نطاق الدول الفاشلة التي تعاني حروبات وانقسامات حادَّة أدَّت إلى انهيار سلطتها المركزية أو إضعافها إلى حدود العجز عن إدارة شأنها واستغلال مواردها المتاحة، بما في ذلك المواردُ الطبيعيّة والبشريّة والماديّة.
الأمر الذي يترتب عليه فشلها في كافة الميادين الحياتيّة، مما يتيح الفرصة للدول الأخرى خاصّة المتمكّنة اقتصاديّاً وعسكرياً من السيطرة عليها، ونهب خيراتها ومواردها والتحكّم في شؤونها الداخليّة والخارجية.

- 2 -

لا يمكن النظر لتلك التداعيات بعيداً عن نظرية الفوضى الخلاقة التي أعلنت عنها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندوليزا رايس، إذ تبنتْ مفهوم «الفوضى الخلاقة» في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط، حين ذكرتْ لصحيفة واشنطن بوست عام 2005، كيفية انتقال الدول العربية والإسلامية من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، معلنةً أن الولايات المتحدة ستلجأ إلى نشر الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، في سبيل إشاعة الديمقراطية.
«الفوضى الخلاقة»– حسب بعض التعريفات- نظرية ترى أن وصول المجتمع إلى أقصى درجات الفوضى متمثلة في العنف والرعب والدّم، يخلق إمكانية إعادة بنائه بهُوية جديدة.
والنظرية تعني باختصار، أنه عندما يصل المجتمع إلى أقصى درجات الفوضى المتمثلة في العنف الهائل وإراقة الدماء، وإشاعة أكبر قدر ممكن من الخوف لدى الجماهير، فإنه يصبح من الممكن بناؤه من جديد بهُوية جديدة تخدم مصالح الجميع.

- 3 -

من خلال نافذة هذه النظرية يمكن تأمل ما يحدث في الدول العربية خلال السبع سنوات الأخيرة.
دولة مثل ليبيا كانت من الدولة المستقرة اقتصادياً إلى درجة تقارِب الرفاهية، وإن كانتْ سياسياً تحكم بقبضة حديدية متشنجة، هي الآن مقسمة ومحتربة لا تملك أمر نفسها، فلا تحققتْ فيها الديمقراطية ولا استمر الأمن والرخاء.
ما يُقال عن ليبيا يمكن أن يُقال عن اليمن وسوريا، وقبلهما العراق الذي أصبح الآن على مشارف الانقسام لدولتين بعد استفتاء كردستان واختيار مواطنيه الانفصال عن الدولة الأم.
كما أن السودان كان السابق للعراق قبل سبع سنوات، حينما انفصل إقليم الجنوب عن الدولة المركزية، مع ذلك لم يخرج من دائرة الحروب الأهلية بعد.

- 4 -

أما في حقبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتقل إعصار الفوضى ليضرب دول الخليج التي ظلت أكثر استقراراً ورخاءً، وما المشروع الجائر لحصار دولة قطر والتضيّق عليها بدعاوى كاذبة، إلا جزء من ذلك السيناريو الفوضوي.
والآن، السيناريو يمضي في اتجاه تفكيك وإضعاف المملكة العربية السعودية، بإشعال الصراع داخل بيت الأسرة الحاكمة، وربما لحق الإعصار بلبنان ليعيده إلى أيام حرب الشوارع والمذابح.

- 5 -

لم يكنْ يغيب عن المراقبين والمتابعين للشؤون الدولية، أن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بخطابه العدواني، سيُنتِجُ كثيراً من الأحداث التي سترسم معالم وملامح الفترة القادمة.
وصولُ شخصٍ بصفات وطبيعة ترامب إلى قمة القيادة في أكبر دولة في العالم، تتحكَّم في أغلب مجريات الأحداث الدولية، نقطةٌ مائزةٌ في تاريخ الألفية الثالثة.
كل المؤشرات كانت تُرشِّح أن يصبح كل العالم، وليس منطقة الشرق الأوسط فقط في عهد ترامب بالغ التوتر شديد الاستقطاب، وعلى شفا حروب كارثية لا تُبقي ولا تذر.

-أخيراً-

كأن الرئيس الفنزويلي الراحل «تشافيز» كان يتنبأ بحقبة دونالد ترامب، حينما قال: أكبر خطر على كوكب الأرض- ليس المنطقة العربية فقط- هو حكومة الولايات المتحدة الأميركية.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال