كتاب وأراء

«رسائل ترامب» من وراء الإفراج عن الوثائق

قبل أن يغزو الإنترنت بشبكاته المختلفة عالمنا المعاصر، كان الموقف الشائع في الغرب من الإفراج عن وثائق تتعلق بالأمن القومي، هو أن الإعلان عن الإفراج مرتبط بمرور سنوات بعينها بما لا يجعلها تشكل سرا مهما، وأنه يتصل بالماضي فقط ولا يمتد أثره على الحاضر، أي لا توجد أغراض سياسية من ورائه. ولكن بعد غزو الانترنت يبدو أن هذا الموقف قد تغير من حيث عدم الالتزام بالمدى الزمني، ووجود أغراض سياسية من وراء الإفراج عن هذه النوعية المهمة من المعلومات.
تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الوثائق يعكس هذا التغير. وقد حدث ذلك في حالتين ظهرتا للملأ في وقت واحد تقريبا، هما الإفراج عن عدد جديد من وثائق عملية اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي عام 1963 في مدينة دالاس بولاية تكساس، والوثائق التي كانت المخابرات الأميركية قد صادرتها خلال عملية دهم مخبأ زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في باكستان عام 2011 وانتهت بقتله.
أراد ترامب من وثائق كيندي أن يفتح جبهة ضد خصومه من الديمقراطيين بل والجمهوريين يؤكد من خلالها أنه أكثر حرصا منهم على الديمقراطية الأميركية. ومعلوم أن الرجل لا يزال يتعرض لانتقادات حادة تسيء إلى صورته في أذهان الرأي العام الأميركي، وذلك على خلفية الاتهامات التي وجهت إليه بسبب ما أثير عن حملته الانتخابية وكونه لم يحترم التقاليد الديمقراطية. والرئيس الأسبق كيندي من الحزب الديمقراطي، أي من الحزب المنافس للحزب الجمهوري الذي ينتمي له ترامب. وهكذا، فإنه يريد توصيل رسالة إلى الشعب الأميركي بأن ما يروجه خصومة لا أساس له من الصحة. ومعلوم أن هذه القضية قتلت كتابة وكلاما وأعمالا فنية، والحقيقة لا تزال غائبة، وفتحها مجددا حتى لو نكأت جراح العلاقة مع الروس أو الاستخبارات الأميركية ذاتها، فإنها تحدث جدلا هو في احتياج له ليصرف عن نفسه الحملات التي يتعرض لها داخليا.
وأما حالة وثائق بن لادن، فوفقا لما تداولته وسائل الإعلام حتى الآن في هذا الموضوع، أشارت بعض الوثائق إلى الربط بين القاعدة التي كان يتزعمها بن لادن وإيران، وهو اتهام سارعت طهران بنفيه، ولكن ترامب له غرض سياسي من وراء الوثائق. فهو هنا يفتح بابا آخر في الصراع القائم بينه وبين خصومه الديمقراطيين. لقد دخل البيت الأبيض وهو عازم على إلغاء الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران، ولم ينجح لأن شركاء واشنطن من العواصم الغربية في توقيع هذا الاتفاق لم يوافقوه عليه، فبدأ في إخراج ورقة القاعدة ليقول لخصومه الديمقراطيين، لقد أجريتم اتفاقا مع طرف دولي يساعد القاعدة!. كما أراد توصيل رسالة إلى شركائه الأوروبيين بأنهم وقعوا في نفس الخطأ وعليهم التراجع أي الموافقة على موقفه المناهض للاتفاق.
لا تقف نيات ترامب عند هذا فحسب، بل يمد استغلال هذه الوثائق، لما هو أبعد من المواجهة مع طهران تحديدا، أي التحضير لحرب جديدة على حزب الله اللبناني، وذلك في ضوء العلاقة الوثيقة بين الحزب وإيران. وارتباطا بذلك فإن المحاولات المستمرة من جانب ترامب للتصعيد مع إيران لا تنفصل عن توجهه العام بوضع الأميركيين في حالة الخوف من تهديدات خارجية محتملة، مما يساعده على تمرير مواقفه المتشددة على الصعيد الخارجي لاستعادة الريادة الأميركية للعالم بعد أن تراجعت أمام الدور الروسي.
الإفراج عن هذه النوعية من الوثائق سواء ما تعلق بحالة اغتيال كيندي أو ما صودر من وثائق خلال قتل بن لادن يصب في اتجاه صد الهجمات الداخلية التي يتعرض لها وتعزيز شعبيته بين الرأي العام الأميركي التي اهتزت بفعل هذه الهجمات من ناحية والترويج لاستعادة دور خارجي بالعمل على إيجاد أدوات جديدة لاستمالة حلفاء واشنطن لما يراه من رؤى للتعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية.
بقلم:د.عبد العاطي محمد

عبدالعاطي محمد