كتاب وأراء

رجل القرآن والعلم الحديث «1-2»

عاش الدكتور عبد الرزاق نوفل متفرغا للبحث في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن، وكنت كلما زرته أجده غارقا وسط عشرات المراجع والأبحاث والموسوعات العالمية وأمامه دائما المصحف وكتب التفسير، وعندما رحل في عام 1984 عن 67 عاما كان قد نشر أكثر من عشرين كتابا، ووجد أبناؤه في مكتبه ثلاثة كتب نشرت بعد وفاته، وكلها عن الإعجاز العلمي في القرآن وآيات الله في خلق الكون وخلق الإنسان وكلها تقود إلى تعميق الإيمان بوجود الله، وبقدرته، وأن ما يكتشفه العلم من حقائق قد ورد في القرآن الكريم بنصوص صريحة أو بإشارات واضحة سبقت العلم بأكثر من أربعة عشر قرنا.
وقد واجه عبد الرزاق نوفل معارضة من البعض قالوا إن القرآن لم ينزل كتابا علميا يتضمن فصولا في الطب أو أبوابا في علم الفلك أو علم الجغرافيا أو علم الاقتصاد وإنما هو كتاب عبادات وتشريع فيه الأوامر والنواهي التي يجب أن يلتزم بها المسلمون، والقرآن ثابت والنظريات العلمية تتغير كلما ظهرت اكتشافات جديدة للعلماء، وقد رد على هؤلاء بأن الإشارات العلمية في القرآن جاءت لظهار بعض من قدرة الله في الخلق وتوجه النظر إلى النظام الدقيق في كل مظاهر الوجود، وتزيد الإيمان بقدرة الله، والبحث في القرآن في ضوء الحقائق العلمية الثابتة – وليس النظريات العلمية القابلة للتغير- لا يتعارض مع مناهج التفسير الأخرى مثل التفسير اللغوي، والتفسير التشريعي، والتفسير الأخلاقي والتربوي، والتفسير الفقهي الخاص بالعبادات.
وبهذا المفهوم جاء كتابه الأول (الله والعلم الحديث) الذي لقي ترحيبا من كبار علماء الدين، وبعده أصدر كتابي (القرآن والعلم الحديث)، وقال فيهما إن العصر الحالي هو عصر العلم ومن حقنا أن تكون دعوتنا إلى الإسلام تناسب هذا العصر، وعلينا أن نراعي أن في العالم شعوبا غير قادرة على تذوق الإعجاز في لغة القرآن لأنها لا تتحدث اللغة العربية، ومن المستشرقين من يدعي أن القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم وخير وسيلة لإفحام هؤلاء أن نضع أمامهم الحقائق العلمية والتاريخية التي لم يعرفها أحد في زمن نزول القرآن ثم تحقق صدقها بعد مئات السنين. وتبليغ الدعوة الإسلامية إلى غير الناطقين باللغة العربية أمر مفروض.
وعلى سبيل المثال فإن من أعظم الاكتشافات العلمية في العصر الحديث توصل علماء الفلك إلى أن الشمس ليست ساكنة بل إنها تجري بسرعة رهيبة نحو برج مقرر لها أن تصل إليه، وهذا ما سبق الإشارة إليه في القرآن (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) (يس-38). وكان المستقر لدى العلماء في القرون الماضية أن الأرض مسطحة إلى أن تم اكتشاف الحقيقة وهي أن الأرض كروية قريبة من شكل البيضة، وهذا ما ذكره القرآن منذ قرون (والأرض بعد ذلك دحاها) ( النازعات-30).
كذلك سبق القرآن بأكثر من أربعة عشر قرنا ما توصل إليه العلماء من أن الجنين يكون محاطا بثلاثة أغشية صماء لا ينفذ منها الماء ولا الضوء ولا الحرارة ولم يصل العلماء إلى ذلك إلا بعد اكتشاف أجهزة الأشعة الحديثة وجاء هذا الاكتشاف دليلا على عظمة الخالق الذي ذكر في كتابه الكريم (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا بعد خلق في ظلمات ثلاث) ( الزمر-6).
وللحديث بقية
بقلم : رجب البنا

رجب البنا