كتاب وأراء

حرب التغريدات تشتعل

اندلعت أو بالأحرى تصاعدت حرب التغريدات هذه الأيام بين كل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين من جهة وإيران من الجهة الأخرى، وذلك على خلفية إطلاق صاروخ باليستي من الأراضي اليمنية باتجاه المملكة العربية السعودية، مستهدفا بالتحديد مطار الملك خالد في مدينة الرياض، وقالت المملكة العربية السعودية إن الصاروخ إيراني الصنع، أطلقه حزب الله من المنطقة التي تقع تحت سيطرة الحوثيين في اليمن، ومن ثم أطلق عادل الجبير وزير خارجية السعودية ثلاث تغريدات ضد إيران وعلى الفور رد عليه جواد ظريف وزير خارجية إيران.
معظم النار من مستصغر الشرر
ثم تطور التصعيد بالرسائل الضمنية التي أرسلها الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى السعودية خلال كلمته أمام مجلس وزراء بلاده يوم الأربعاء الماضي، مما حدا ببعض المراقبين إلى تصور سيناريوهات غير محمودة، وتشكل تغريدات الجبير مستصغر الشرر الذي يشتعل منه معظم النار، بحسب القول المأثور: معظم النار من مستصغر الشرر.
هذا الواقع ينبئ بهذا النوع الجديد من الحروب الذي أخذ العالم يشهده وبدأ ليكون مألوفا لدى الدول التي بينها نزاعات، ويمكن أن يطلق عليه حرب التغريدات، أو حرب التغريدات والتغريدات المضادة، وهو بالتأكيد نوع من الحروب الإعلامية، لكن العامل البشري فيها هم السياسيون، كما أن العامل البشري في الحروب الإعلامية هم الإعلاميون، والعامل البشري في الحروب التقليدية هم العسكريون.
البداية مع عادل الجبير
حرب التغريدات التي نحن بصددها بدأها عادل الجبير وزير خارجية المملكة العربية السعودية عقب تعرض بلاده لإطلاق صاروخ من اليمن بتغريدات تتهم إيران بزعزعة الاستقرار في المنطقة، فجاء الرد من جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني، لكن مما لفت الانتباه أن تغريدات ظريف استهدفت السعودية ولم تأت على ذكر البحرين التي ساند وزير خارجيتها خالد بن أحمد موقف الجبير.
قناة الجزيرة أعدت تقريرا حول هذا التراشق وبدأته بتبادل الاتهامات بين الطرفين، وتحديدا اتهام السعودية لإيران بتزويد الحوثيين في اليمن بالصواريخ الباليستية، الأمر الذي جعل إيران تنفي على الفور هذا الاتهام السعودي وأرجعته على حد قول الساسة فيها إلى فشل السعودية في حربها باليمن، ووصف بهران قاسمي المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية الاتهامات السعودية بالمجحفة والاستفزازية والتحريضية وغير المسؤولة، الأمر الذي أثار حفيظة السعودية وجعلها تصر على موقفها وتؤكده في تغريدات لوزير خارجيتها عادل الجبير على حد تقرير قناة الجزيرة الذي نشر نص التغريدات والتغريدات المضادة. في أولى تغريداته وصف عادل الجبير تصرفات الجمهورية الإيرانية بالعدائية ويقصد بالتصرفات دعم النظام الإيراني للحوثيين في اليمن، ولم يكتف بهذا الوصف بل أطلق تهديدات مفادها أن للمملكة حق الرد وأنه لا تسامح مع الإرهاب ورعاته، وجاء نص التغريدة كالتالي: «تحتفظ المملكة بحق الرد بالشكل والوقت المناسبين على تصرفات النظام الإيراني العدائية وتؤكد بأن لا تسامح مع الإرهاب ورعاته».
وواصل وزير الخارجية السعودي تغريداته مؤكدا موقف بلاده من إيران مكررا لفظ الإرهاب الذي استخدمه في التغريدة السابقة كما أشار إلى كون الحوثيين هم أداة الإرهاب الإيراني في اليمن فقال في نص التغريدة الثانية: «الإرهاب الإيراني يستمر في ترويع الآمنين وقتل الأطفال وانتهاك القانون الدولي، وكل يوم يتضح بأن ميليشيا الحوثي أداة إرهابية لتدمير اليمن»، وهكذا يتهم إيران أيضا بانتهاكها القانون الدولي وأن دعمها للحوثيين تسبب في قتل أطفال اليمن، وذهب وزير خارجية المملكة العربية السعودية إلى أن الخطر الإيراني لم تتوقف أضراره ونتائجه على اليمن فقط، بل يضر بدول الجوار في منطقة الخليج بل وتؤثر على الأمن والسلم الدوليين في محاولة لحشد رأي عام دولي ضد إيران فقال في نص التغريدة الثالثة: «التدخلات الإيرانية في المنطقة تضر بأمن دول الجوار وتؤثر على الأمن والسلم الدوليين، لن نسمح بأي تعديات على أمننا الوطني».
وتأتي هذه التغريدات التصعيدية كما لو أنها تتناقض مع موقف الجبير الذي أعلنه من قبل في ختام اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون ونظرائهم من المغرب والأردن العام الماضي وقال: إن بلاده لا تمانع في فتح صفحة جديدة من العلاقات مع إيران، مع أن بلاده تقاطع وتفرض حصارا على قطر بسبب علاقاتها المتوازنة مع إيران، وأوضح وزير الخارجية السعودي أن إيران جارة مسلمة ولديها حضارة عظيمة وشعب صديق لكن السياسات بعد ثورة آية الله الخميني كانت عدائية.
خالد بن أحمد يدخل على الخط
ورأى خالد بن أحمد وزير خارجية مملكة البحرين أنه لابد له من التدخل في حرب التغريدات هذه دعما لنظيره السعودي عادل الجبير، فأطلق تغريدة تتضمن فحوى تغريدات الجبير مما جعل تقرير الجزيرة يصفها بأنها تشبه الريتويت لتغريدات الجبير، وذلك بعد أقل من نصف ساعة فقط على تغريدات عادل الجبير قائلا: «نعي تماما أن جمهورية إيران بحزبها وحشدها وعصائبها هي الخطر الحقيقي على المنطقة بأسرها، وأفعالها تؤكد ضرورة كبحها وإزالة خطرها» ويقصد بحزبها حزب الله اللبناني وبحشدها وعصائبها أذرع إيران في العراق واليمن وكأنه يقول كما قال الجبير إن الخطر الإيراني يضر بدول الجوار وبالأمن والسلم الدوليين.
التغريدات الإيرانية المضادة
الجمهورية الإيرانية من جانبها ارتأت أنه من غير المقبول أن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا القصف السعودي- البحريني بالتغريدات، فانبرى جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني للرد مؤكدا أن السعودية هي التي تقصف اليمن وتقتل آلاف الأطفال ومن ثم تتهم إيران فقال في التغريدة الأولى: «السعودية تقصف اليمن وتحولها إلى فتات، تقتل آلاف الأبرياء ما ساعد على انتشار وباء الكوليرا والمجاعة ولكنها بالطبع تتهم إيران»، وواصل جواد ظريف التأكيد على أن المملكة العربية السعودية تشن حربا عدوانية وتزعزع الاستقرار ثم تحمل إيران عواقب تلك الحروب على حد نص التغريدة التالي: «المملكة العربية السعودية متورطة في حروب عدوانية وتسلط إقليمي وسلوك يزعزع الاستقرار واستفزازات خطرة ثم تحمل بلادنا عواقب تلك الحروب».
تطور في الموقف الإيراني
الموقف الإيراني تطور من خلال كلمة الرئيس حسن روحاني التي نقلها التليفزيون الرسمي خلال اجتماع مجلس الوزراء الأربعاء الماضي حيث قال موجها حديثه إلى السعودية: «تعلمون قوة ومكانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية جيدا، كانت هناك قوى أكبر منكم عجزت عن قهر إرادة الشعب الإيراني» في إشارة إلى الحرب الطاحنة، التي شنها العراق في 1980 على إيران بدعم من دول غربية وعربية وانتهت بعد 8 سنوات بلا تعديل للوضع السائد قبلها، وقال أيضا «إن على السعودية أن تسعى إلى معالجة مشاكلها الداخلية بعيدا عن إقحام شعوب المنطقة بمتاعبها»، في إشارة إلى حملة الاعتقالات غير المسبوقة التي تشهدها المملكة منذ أسبوع وطالت أمراء ووزراء ومسؤولين ورجال أعمال متهمين بالفساد، وأضاف روحاني قائلا: «بعض دول العالم، تسعى لإيجاد شرخ وخلاف بين شعوب ودول المنطقة، ونأمل من حكام السعودية أن يدركوا هذه الحقيقة».
اختفاء وزير التغريدات الإماراتي
اللافت للنظر في هذا المشهد المتوتر بين السعودية وإيران ودخول مملكة البحرين على الخط كمؤيدة للسعودية هو الغياب الكامل للموقف الإماراتي، فلا بيان أو حتى تغريدة من وزرائهم، لكن عندما يتعلق الأمر بدولة قطر ينبرون بسيل من التغريدات ينفخون بها في النار ويصبون عليها الزيت لتزداد اشتعالاً، ويذكرنا هذا التناقض المقيت بقول الشاعر:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة
فتخاء تنفر من صفير الصافر
وينطبق على الموقف الإماراتي الحالي بشأن التصعيد بين السعودية وقطر شخصية القائل: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم.
ماذا عن تعرض قطر لإرهاب الحصار؟
ولأن الشيء بالشيء يذكر تساءل الكثيرون سؤالا منطقيا كيف للمملكة العربية السعودية أن تشجب ما سمته الإرهاب الإيراني وفي نفس الوقت تمارس إرهابا جائرا بحصارها لدولة قطر؟ أليس الحصار الذي ترتب عليه منع وصول الغذاء والماء والدواء لدولة قطر إرهابا؟ المواطن القطري البسيط الذي لا دخل له بالسياسة ولا شأن له بالعلاقات بين الدول يتساءل بكل براءة: ماذا فعل أهل قطر حتى تقوم المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين بحصارهم ومحاولة تجويعهم وتعطيشهم ومنع الأدوية عن مرضاهم؟ إنه الإرهاب بعينه ولا يمكن أن يطلق عليه اسم غير الإرهاب.
الجدير بالذكر أن هذه التغريدات سواء كانت تغريدات عادل الجبير أو خالد بن أحمد أو جواد ظريف قد وجدت تفاعلا كبيرا بين المتابعين وقام الآلاف من المؤيدين بإعادة تغريدة كل من يؤيده وينتقد تغريدات الخصم، وهكذا ينخرط في هذه الحرب أناس لا جمل لهم فيها ولا ناقة، وهذه من طبائع الأجيال الجديدة من الحروب أي اتساع دائرتها واستقطاب أناس من خارج الحدود فضلا عمن هم داخلها. هذا التراشق بالتغريدات بين هذه الدول يمكِّن لنوع جديد من الحروب التي ستصبح سمة رئيسية من سمات النزاعات بين الدول وكانت قد اشتدت من قبل بين الرئيس الأميركي ترامب ومنافسته الديمقراطية في انتخابات الرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون.. وساحة هذه الحرب هي مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيس بوك وسناب شات وانستغرام وغيرها.

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي