كتاب وأراء

من سلاح الأفيون إلى السلاح النووي

في قاعة مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في بيجين الذي يتألف من 1.4 مليون عضو، اجتمع 2300 مندوب أعادوا النظر في دستور الحزب وجددوا انتخاب الرئيس الصيني «تشي» على رأس الدولة والحزب لمدة خمس سنوات جديدة، كما انتخبوا لجنة مركزية جديدة من 205 أعضاء.
هذا في الشكل، أما في الجوهر فان الرئيس «تشي» يحمل على كتفيه الدعوة إلى تحقيق الحلم الكبير. وهو نهوض الأمة الصينية في أن تعود الصين دولة أولى على المسرح الدولي، ومن أجل تحقيق هذا الحلم، فإن الصين مدعوة للتعلم من تجربتين وضعهما الرئيس «تشي» أمام المؤتمر.
التجربة الأولى تاريخية، فقد حذر من أن انخفاض المعنويات وتفكك سلطة الحكم (الحزب) وتدهور القيم المعنوية والأخلاقية سوف تؤدي بالدولة إلى المأساة التي واجهها الامبراطور «تشو» الذي اغتيل في عام 202 ميلادية.
أما التجربة الثانية فحديثة. وتتمثل في انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه. ويعزو الرئيس الصيني «تشي» ذلك إلى انهيار الثقة بالنفس لدى الحزب الشيوعي الحاكم. وحذر من ان شيئاً من ذلك يجب أن لا يحدث في الصين. وقد كتب مقالة قال فيها: «لا يوجد شيء اسمه 99 بالمائة من الولاء. فالولاء يكون مائة في المائة أو لا يكون». ولا يقتصر إبداء الولاء على المواقف فقط، انما على الالتزام بتسديد الاشتراك السنوي في عضوية الحزب والذي تبلغ قيمته 2 بالمائة من الدخل الشهري الذي يزيد على 1500 دولار. وعندما انتخب «تشي» قبل عشر سنوات كانت مهمته الأولى والأساسية استنهاض الحزب الذي بدا وكأنه على شفير الانهيار كما حدث في الاتحاد السوفياتي.
أما وقد تجاوز تلك المخاطر، ووصل الآن إلى دورته الرئاسية الثالثة لمدة خمس سنوات، فانه يطمح في أن يكمل مسيرة تطوير الصين تحقيقاً لحلم «الانبعاث من جديد».
لقد غابت الصين -أو غُيّبَت- عن المسرح العالمي طوال قرنين من الزمن، وكانت خلالهما تعاني من ترويج الأفيون بين أبنائها، ومن الهيمنة الأجنبية على سيادتها، ومن استباحة خيراتها الطبيعية. وتشكل تلك المرحلة السوداء من تاريخها الحديث، قوة دفع لمواصلة التغيير الذي يعتبر الرئيس «تشي» انه مؤتمن عليه في الوقت الحاضر. وقد تصدى لتحمّل هذه الرسالة لمدة خمس سنوات جديدة (وهو يبلغ من العمر الآن 64 عاماً ).
ومن أجل تحقيق هذا الحلم الكبير، فان الرئيس «تشي» يواجه تحديات تتجاوز القفزات الاقتصادية الكبيرة التي حققتها الصين حتى الآن. بل ان هذه التحديات تتجاوز الدائرة الاقتصادية إلى الدائرة العسكرية – السياسية. فالأزمة مع كوريا الشمالية حول سلاحها النووي والصاروخي بدأت تغير المعادلات السياسية في شرق آسيا والتي تشكل الصين أحد أهم قواعدها. ذلك ان هذه الأزمة قد تحمل كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية -بضوء أخضر أميركي- على التسلّح النووي – الصاروخي لتشكيل قوة ردع ذاتية ضد كوريا الشمالية. وهذا السيناريو هو أسوأ وأخطر ما يمكن أن تواجهه الصين. خاصة وان علاقاتها مع هذين الجارين لم تكن في أي وقت علاقات حسنة أو موثوق بها.
فهل تواجه الصين الحديثة أخطار الصراع السياسي الذي قد يذهب إلى السلاح النووي بعد ان تحررت من الهيمنة السياسية التي فُرضت عليها بسلاح الأفيون؟.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك