كتاب وأراء

إشعال فتيل الحرب لبنان جبهة النزاع

لا يصح التعامل مع الأزمة التي أثارها إعلان سعد الحريري الاستقالة من منصبه كرئيس لوزراء لبنان باعتبارها أزمة داخلية لبنانية، فالواقع أن شكل ومضمون المعادلة السياسية التي استقرت في لبنان منذ سنوات لم يطرأ عليهما أي تغيير يبرر هذه الاستقالة، خصوصا وأن المعادلة نفسها هي التي قبل سعد الحريري بموجبها رئاسة الحكومة اللبنانية الحالية، مقابل إنهاء حالة الفراغ السياسي على قمة هرم السلطة بتنصيب ميشيل عون رئيسا للدولة.
ما تغير فعلا هو الوضع الإقليمي الناجم عن تطورات عسكرية وسياسية هامة شهدتها الساحتان السورية والعراقية خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرزها سلسلة الهزائم العسكرية التي مني بها تنظيم داعش خلال هذه الفترة وفشل المشروع السياسي لانفصال إقليم كردستان العراقي. ويعتقد على نطاق واسع أن هذه التغيرات تصب لصالح معسكر إقليمي تقوده إيران، ويضم لاعبين آخرين أهمهم حزب الله في لبنان ونظام بشار الأسد في سوريا، وجاءت رياحها بالتالي على غير ما كانت تشتهي سفن معسكر منافس تقوده السعودية، ويضم لاعبين آخرين أهمهم مصر ودولة الإمارات والبحرين، وأن استقالة سعد الحريري لم تكن قرارا لبنانيا خالصا، اتخذه سعد الحريري منفردا أو بالتشاور مع أحد من حلفائه المحليين، وإنما هو قرار سعودي عكس تصميم الأمير محمد بن سلمان على مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة بكل السبل المتاحة. فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن استمرار أزمة الحصار المفروض على قطر لم يثمر حتى الآن سوى نتائج معاكسة لتوقعات المعسكر السعودي، كان من بينها دفع تركيا وقطر للتقارب أكثر مع المعسكر الإيراني، لتبين لنا أنه قد لا يكون من المستبعد أبدا أن تكون استقالة الحريري مجرد عملية تسخين تمهد لمواجهة مباشرة ومفتوحة بين السعودية وإيران، بكل ما قد يترتب على هذه المواجهة من تداعيات محلية وإقليمية ودولية.
كان لافتا للأنظار أن يعلن الحريري استقالته من الرياض وليس من بيروت، وعبر قناة فضائية سعودية وليس لبنانية، وأن يخصص جل خطاب الاستقالة للهجوم على إيران، الأمر الذي أوحي بأن السلطات الرسمية السعودية أرادت أن تصل رسالتها إلى إيران مباشرة وأن يكون حامل هذه الرسالة هو وكيلها اللبناني تحديدا. ولأنه يصعب تصور أن تكون السعودية، المنخرطة في حرب استنزاف مدمرة على الجبهة اليمنية، قد بادرت بخطوة قد تؤدي إلى فتح جبهة جديدة دون تشاور مسبق مع الولايات المتحدة، وبالتالي مع إسرائيل بطريقة غير مباشرة، يخشى أن تتحول الأزمة اللبنانية إلى منصة لإطلاق أزمة إقليمية كبرى لن يستطيع الإمساك بكل خيوطها وتحريكها من وراء ستار سوى إسرائيل! يدعم من هذا الاعتقاد تحركات كثيرة سبقت الأزمة اللبنانية أهمها تقارب سعودي إسرائيلي أفضى، ضمن أشياء أخرى كثيرة، إلى انتقال السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، في مقابل التزام سعودي بذات الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ومن ثم دخول السعودية طرفا غير مباشر في معاهدة السلام مع إسرائيل، الأمر الذي ينظر إليه باعتباره خطوة تمهد لتطبيع عربي شامل مع إسرائيل دون انتظار تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي العربية المحتلة، كما تنص مبادرة السلام العربية التي تم اعتمادها في بيروت عام 2000، ومن ثم تمهيد الطريق إلى إبرام «صفقة القرن» الغامضة. ولأنه يستحيل تمرير هذه الصفقة قبل كسر «معسكر المقاومة» الذي تقوده إيران، يبدو أن إشعال فتيل الحرب على إيران سيبدأ من الجبهة اللبنانية.
أعتقد أن استقالة سعد الحريري تدشن مرحلة جديدة من الصراع في المنطقة عنوانها تغيير النظام الحاكم في إيران بعد فشل كل المحاولات التي استهدفت من قبل ضرب حزب الله وحده أو حماس وحدها. إذ يبدو أن التفكير الاستراتيجي يتجه الآن لضرب المركز بدلا من ضرب الأطراف التي يسهل إعادة بنائها طالما ظل الرأس حيا!
بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة