كتاب وأراء

أسواق العمل المستقبلية.. السحب البشرية (2)

أعيش الآن حالة من الاستغراب؛ لأنني أشعر أن التغيرات المقبلة والمتوقعة والوشيكة في سوق العمل والتي بدأنا في التحدث عنها الأسبوع الماضي لا تلقى الاهتمام الكافي من الباحثين والدارسين، سواء في العلوم الاقتصادية والإدارية أو الاجتماعية والإنسانية، ذلك لأن العمل كان ومازال ودائماً، واحداً من الجوانب الأكثر تعريفاً وتحديداً لحياتنا.. ماذا تعمل؟ وأين تعمل؟ وكيف تعمل؟ يؤثر عليك وعلى شخصيتك وعلى محيطك وعلى مقدارك واحترامك في المجتمع، لذا يطبع الكثير منا بطاقات التعارف التي تحتوي على الوظيفة ومكان العمل وطبيعته فقط. لا تحتوي البطاقة على ما يتصل بالعائلة أو النسب والحسب أو على كم يمتلك الفرد؟ فقط ماذا نعمل وأين نعمل؟ وعلى جانب آخر مكان العمل هو الذي نلتقي فيه الأصدقاء، والزملاء وهو الذي يمكن أن نشعر فيه بكوننا أفراداً منتجين أو مبدعين أو مبتكرين أو أن نشعر فيه بعدم الملاءمة وعدم الانخراط وعدم التوافق والإهمال. مكان العمل يمكن أن نشعر فيه أما بالإشباع والرضا وأما بالإحباط، والغضب ولذا من المسلم به أن أي تغيير في طبيعة العمل أو مكانه يمكن أن يؤدى إلى سعادة الإنسان أو شقائه.
لذا أستغرب أنه لا توجد دراسات عن هذا الموضوع باللغة العربية والدراسات الموجودة باللغة الانجليزية قليلة للغاية ولا تتعدى دراستين أو ثلاثاً. أهمها دراسة جادة للأستاذة «ليندا غراتون»، أستاذ الإدارة في كلية لندن للأعمال، التي قامت على مدار السنوات الثلاث الماضية بعمل مشروع بحثي رائد يغطي 21 شركة عالمية وأكثر من 200 من المديرين التنفيذيين، تحاول من خلال مسح يوزع على هؤلاء المديرين استشراف المستقبل ووضع صورة توفر معاينة للعالم الحقيقي من خلال سوق العمل في القرن الواحد والعشرين.
تؤكد دراسة الأستاذة ليندا بعنوان «مستقبل العمل» والمنشورة في دورية «استراتيجيات الأعمال» أن التكنولوجيا سوف تؤثر على حجم سكان العالم وعلى متوسط العمر المتوقع. كما ستؤثر على حياتنا العملية بطرق أخرى أعمق وأكثر تأثيراً وغير مباشرة ، مثلاً الطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين، وجهات نظرنا حول الأخلاق والقيم وحول الطبيعة الإنسانية، كل ذلك سيتم التأثير عليه بسبب التقدم التكنولوجي.
مع حلول عام 2025، تتوقع الدراسة أن أكثر من خمسة مليارات شخص سوف تكون أجهزة حواسيبهم النقالة مرتبطة بـ «سحابة» الإنترنت والتي تقدم خدمات حوسبة غاية في انخفاض التكاليف ومن ثم ستزداد كمية العمل المنفذة بواسطة العمال المرتبطين بالسحابة. أما الجانب الأكثر تأثيراً فهو العمل الذي ستقوم به الروبوتات. المحتوى المعلوماتي الذاتي الذي يمكن خلقه من (DIGITIZATION) أو عملية «الروقمة» لملايين من الكتب سيخلق كمية لم يسبق لها مثيل من المعلومات في شبكة المعرفة العالمية. وهكذا سيكون هناك المليارات من المساعدين الآليين المعرفيين الذين سيقومون بجمع المعلومات ورصد ومراقبة سلوك الناس واتخاذ الإجراءات بناء على هذا المعلومات المجمعة.
ولذا أتوقع هنا ببساطة أن ملايين الوظائف (أو حتى المهن) يمكن أن تختفي، مثال المحامي الإلكتروني الموجود الآن بنيويورك والذي يمكنه أن يقارن القضية المعروضة أمامه بآلاف القضايا المماثلة، بل يمكن بالملايين إن وجدت ويدرس الأحكام السابقة وحيثياتها ومن ثم يمكنه أن يقدم أكثر الحلول أو الدفوعات (المرافعات) التي تضمن أفضل الأحكام لصاحب القضية. هذا المساعد الإلكتروني الحقوقي إن تم تعميمه يمكن أن يقضي على مهنة المحاماة كما نعرفها.
أيضاً يمكن تصور أن تختفي القوات الحربية بمعناها وشكلها الحالي من الوجود. فما معنى أن تضحي الدول المتقدمة والقادرة تكنولوجيا بمواطنيها وخيرة شبابها في حروب مع أعدائها إذا كان هناك جيش يمكن إعداده مكون من الروبوتات المسلحة بذكاء اصطناعي يمكنهم من اتخاذ القرارات السريعة والحاسمة التي تمكنهم من هزيمة أعدائهم دون بذل للدم والروح؟!

بقلم : أ. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي