كتاب وأراء

التوأمان.. الأميركي والعربي

قصة من تراث بن سيف
أخوان توأمان، متشابهان في الشكل تماما، نشآ معا وقضيا بداية مرحلة الشباب معا، ولكن الحياة فرقتهما، فعاش أحدهما في أميركا واكتسب جنسيتها، بينما بقي الآخر في الوطن العربي.
قدر الله أن يعمل كل منهما صحفيا في مكانه، يكلمان بعضا كل يوم، ويقرآن لبعض أحيانا..
اتفقا وتطابقا في كل شيء إلا في الأفكار، من يعيش في أميركا يتمتع بكامل الحرية في القول والاعتقاد، يكتب ما يشاء ويقول ما يشاء.
والذي في الوطن العربي رجل يسير وفق هوى إدارة الصحيفة، التي تسير وفق هوى وزارة الداخلية، التي تسير وفق هوى الزعيم.
لا يعترض أبدا على شيء، مؤيد تماما وعلى طول الخط، وهو صار يفعل ذلك من منطلق اقتناع أن هذا الأسلوب هو الأمثل والأجدى والأصح مع الحكومة، عدم الاعتراض هو الطريق الصحيح للوصول، حتى وصل بالفعل، وصار مقدرا تماما ومحظيا عند الحكومة.
الخلاف بين الأخوين التوأمين نشأ من هنا، الأميركي يعتقد بوجوب المعارضة للخطأ والعربي يعتقد بمسايرة الخطأ.
حتى كثر النقاش بينهما وتشعب ووصل لمراحل الغضب الشديد، والتحدي أحيانا، في أن كل منهما معتقده هو الصحيح.
فقال التوأم الأميركي:
سأثبت لك أن معتقدك خطأ، وأنه يمكن للإنسان الحر الشريف أن يعترض وأن يصلح الخطأ.
فقال التوأم العربي:
وأنا قبلت التحدي وسأثبت لك أنه حتى في أميركا، مسايرة الأخطاء تكسب صاحبها الحظوة والتقدير.
فرجع التوأم الأميركي إلى الوطن العربي، وعاش فيه باسم أخيه العربي، بينما ذهب التوأم العربي إلى أميركا وعاش فيها باسم أخيه الأميركي.
عمل العربي في الصحيفة الأميركية التي يعمل بها أخاه وبدأ يمارس كتابته ومواضيعه الصحفية بما يتناسب مع رأي الحكومة الأميركية، وأخذ يسجل تأييده لكل قراراتها بشكل علني، وصار يطبل لكل قول أو عمل لها ويدافع عنها، ويحارب كل من يقف ضدها من جميع طوائف الشعب الأميركي.
ولم يكتف بذلك بل أكمل هذا التأييد المطلق، بكتابته في صفحته في الفيس بك وتويتر التي تتيح له مجالا أوسع لحرية التأييد المطلق للحكومة ونقد خصومها ومعارضيها.
ومما نقل عنه قوله أن الحكومة «أبخص» وأدرى بالمصلحة، وهي معصومة عن الخطأ، منزهة عن الزلل، لا يأتيها الباطل مهما بطل، ولا يصل لها الشر مهما انتشر.

الأخ الأميركي الذي وصل إلى الوطن العربي بدأ يمارس العمل الصحفي بالطريقة التي تعلمها في أميركا.
بدأ يعترض ويهدد بالفضح، ويكشف الأوراق، ولا يرضى عن أي تقصير ويطلب بمحاكمة المسؤول مهما كان منصبة.
حاول رئيس تحرير الصحيفة أن ينبهه، ثم يحذره، ثم يغضب عليه ويهدده، ولكنه استمر على نفس النهج.
فتم طرده من الصحيفة «بناء على مقتضيات المصلحة العامة»، ولكنه لم يتوقف، واستمر في محاربة الفساد في تويتر والفيس بك والأماكن العامة والخاصة.
وفي ليلة ليلاء مقمرة تم ضبطه وإحضاره إلى جهاز الأمن...
حاولوا في البداية أن يعاملوه باحترام تقديرا لتاريخه النضالي المشرف الذي صفق طويلا للحكومة، ولكنه أصر على موقفه وقال لضابط الأمن:
إن لمست شعرة من رأسي لأوصلن القضية لأعلى مستوى في العالم.
ضحك الضابط حتى سقط على قفاه، وقال:
احلقوا له شعر رأسه حتى لا تلمسوا ولا شعرة أثناء الحفلة التأديبية..
حلقوا شعره بالملقاط، وقصوا أظافره بالكماشة، ورموه في غرفة الضيافة العربية، حيث الليل والظلماء والفأر والفكر، حتى نسي حليب أمه وهامبرغر أميركا، ونسي أنه إنسان، ونسي نفسه من يكون، وفقد عقله، فأخرجوه بعد أن فقد كل كل شيء.
العربي الذي استمر يردح على كل إيقاعات البيت الأبيض، بدأ الأميركان يشكون في وضعه، حاول رئيس تحرير الجريدة أن يعلمه أنه ليس من المقبول القبول بكل شيء من الحكومة، وليس من المنطق تنزيهها عن الخطأ وتقديس قراراتها، ولكنه رفض وأصر على أن هذا هو الصح والحق.
حتى أن السي أي ايه بدأوا يشعرون بنوع من الريبة معه، خصوصا انه من أصول عربية، ثم تم التحقيق معه بثقافة أميركا، وهو يرد عليهم بثقافة العرب. فلم يكن هناك أي نقطة التقاء بينهما.
شكوا في نيته وما يبيت لهم، فأخضعوه لأقسى أنواع التحقيق حتى ثبتت براءته من العمالة وسوء النية، فلم يبق لديهم إلا إخضاعة لطبيب نفسي، الذي أثبت لهم أن هذا المريض يعاني من داء اسمه داء
«الحكومة أبخص».
فاتهم بالجنون «لأنه على العكس تماما من مفهوم الحرية في أميركا»، فجردوه من الوظيفة والقلم..
عاد التوأم العربي إلى العرب بلا عقل..
وعاد التوأم الأميركي إلى أميركا بلا لسان.

بقلم : بن سيف

بن سيف