كتاب وأراء

رجـاء .. لا تكرهوا التشاؤم

المتشائمون أنواع.. والمتفائلون أيضاً أنواع.. بعض المتشائمين لا يطاقون.. كئيبون وسوداويون جداً.. لا يعرفون غير الندب والعويل وشق الجيوب. يفكرون كثيراً لكن فقط بمخاوفهم. وبعض المتفائلين أيضاً لا يحتملون. حالمون ومثاليون جداً. لا يرون إلا الجمال والكمال وسلامة الأحوال. يفكرون كثيراً لكن فقط بأمانيهم. هذا الصنف من المتشائمين لا يجعل التشاؤم كله مكروهاً. وهذا اللون من المتفائلين لا يجعل التفاؤل كله معيباً.
مطلوب تشاؤم مقيد لا يتحول إلى يأس مطلق، وتفاؤل منضبط لا ينقلب إلى خداع للذات بالذات في منطقة كمنطقتنا. منطقة عودتنا على الإحباط في كل مرة لاح فيها الأمل. منطقة حظها من النجاح محدود في كل شيء برغم أن نصيبها من المقدرات كبير في كل شيء.
ولو كانت الفجوة الهائلة بين الإمكانات الكبيرة والنتائج الهزيلة تدعم جانباً فلن تدعم غير المتشائمين. فالتفاؤل في منطقتنا له تاريخ متواضع. أما التشاؤم فتاريخه عريض. التاريخ يؤكد خلال القرن الأخير وحده كم كان الأمل كبيراً في كل شيء. تفاؤل بالاستقلال والدولة الوطنية الحديثة. بالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي. بالتعليم والتنمية. بالوحدة المصرية السورية والتصنيع العربي المشترك. بالصحوة الإسلامية والتأميم ثم بالخصخصة. بالثروات الطبيعية والموارد البشرية. بالثورات العربية وجهود المصلحين. لكن يا ترى كيف كانت النهايات؟ أين انتهى كل هذا التفاؤل؟....لا توجد حاجة للإجابة لأنها واضحة بذاتها.
وبسبب تواضع كافة النتائج العربية فإن التشاؤم يبدو كرد فعل عقلاني جداً في منطقة لا عقلانية جداً. والتشاؤم المقصود، مرةً أخرى، ليس من ذلك النوع السوداوي اللعين. ليس تشاؤم النفس اللطّامة وإنما تشاؤم النفس اللوامة. تشاؤم يحاسب النفس على أفعالها والأمة على أعمالها. تشاؤم لا يرفض بالمطلق ما يرفعه الساسة من وعود بأن الغد سيكون أفضل. لكنه لا يقبل بتلك الوعود كما يقول المثقفون بغير دليل قاطع. فالسياسي يهمه بناء الأمل. أما المثقف فمهمته بناء الحقيقة. والأمل والحقيقة في منطقتنا كثيراً ما يبتعدان ويتصادمان. وهذا ما يعطي التشاؤم اللوام المؤيد بالوقائع والحقائق قيمته وأهميته. ومثل هذا الشكل من التشاؤم لا يجب أن يُكره لثلاثة أسباب على الأقل.
أولها أن التشاؤم اللوام لا غنى عنه في صقل التفكير النقدي. فالتشاؤم موقف نقدي متكامل. والمتشائم ناقد عظيم يسلط الضوء بصياغاته الحادة القوية الضوء على العلل والأخطاء. يصفها بإسهاب، ليساعد كل من يبحث عن الأفضل في تشخيص الواقع ومعرفة الأمور على ما هي عليه. التشاؤم اللوام يبحث عن النقص ليسده. يرصد أوجه القصور والعيب. وحتى لو كان يفعل ذلك بلغة محبطة إلا أنه يقدم وصفة علاجية لا يقدمها صناع الأمل التفاؤل.
والسبب الثاني أن التشاؤم اللوام لا يدفع أبداً إلى الركون والاستسلام وإنما يحمل على النقيض إلى التحلي بأعلى درجات اليقظة والحذر. فالمتشائم حذر بطبعه. يحترس وينتبه ويبقى يقظاً حتى لا يبتلى بخسائر أكثر. أما المتفائل، ولو في أضيق الحدود، كثيراً ما يغش نفسه بعيونه الوردية التي تجعله لا يرى التهديد في حجمه أو يستبق المشكلات قبل أن تعصف به.
والسبب الثالث أن التشاؤم اللوام يدفع بعد الحذر الزائد من المخاطر إلى العمل على إيقافها بل وتطوير حلول عملية لها ربما لا يستطيع المتفائلون طرحها. التشاؤم اللوام قوة تعبئة للإرادة وليس تكسيراً لها. يستطيع قلب عجلة التاريخ. فهو ليس إعلاناً للاستسلام وإنما استعداد للتغيير. فالمتشائم اللوام بعد أن ينقد ويرصد ثم يحذر ويحترس إلا ويبحث عن البدائل. ولولا أن كثيراً من المتشائمين رفضوا السير في تيار السكون الذي روج له المتفائلون لما كانوا قد أسهموا في أعظم صور التغيير. الفيلسوف الفرنسي الشهير جان جاك روسو كان على سبيل المثال متشائماً للغاية من الحضارة ومما أحدثه عصر التنوير من سلبيات إلا أن كتاباته المتشائمة عبئت المشاعر ومهدت الطريق أمام الثورة الفرنسية التي صنعت واحداً من أكبر ملاحم التغيير في التاريخ الحديث.
لهذه الأسباب يجب التريث قبل السخرية من المتشائمين أو الحط من قيمة التشاؤم. من السهل مهاجمة المتشائمين ولعن التشاؤم خاصةً لو كان عند الناس فائض من الآلام يدفعهم إلى التعلق ولو بقشة من الأمل. لكن أي أمل يروج له دون أن يصاحبه تحذير وقدر من التشاؤم لن يكون إلا أملاً خادعاً وتفاؤلاً في غير محله. مطلوب إذن نظرة جديدة للمتشائمين. فهم محبون للأحسن لكنهم بدلاً من أن يعدوا فقط به يوضحون بلا غش ما يعترض طريقه.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات