كتاب وأراء

مقتطفـات صحفيــة

أتمنى أن يكف الكتاب عن محاولة اختراع تركيبات لا تصح، فنحن نقول «شرق أوسطي» وهي مفهومة، ونقرأ «دمقرطة الدولة» ولاحظوا أن الكلمة صعبة القراءة أيضاً، هل من الصعب على الكاتب أن يقول «جعل الدولة ديمقراطية»؟ أو أن يقول «نشر الديمقراطية في الدولة»؟
قرأت لكاتب يتحدث عن سورية «وسرقها شذاذ آفاق قروسطيو التفكير وعنيفو الفعل» كنت أتمنى أن أسأل هذا الكاتب قراءة الكلمة ليكتشف كم هي «مبعككة» كما يقول المصريون. هل صعب عليه القول «شذاذ آفاق يعود فكرهم إلى القرون الوسطى»؟
تتعدد الندوات والمؤتمرات وحلقات النقاش والحوار، وتصدر قرارات وتوصيات بضرورة الاهتمام باللغة العربية، وتوجيه الطلاب نحو لغة عربية سليمة. كيف سيتوجه الطلاب هذا التوجه إذا كان كاتب كبير لا يعرف قواعد الاسم المنقوص؟ كتبت هنا غير مرة عن هذا الخطأ الشائع، وأفاجأ بكاتب مشهور يقول: «كنت به راض» يا صديقي، لا ينصب الاسم المنقوص بحذف حرف العلة والاستعاضة عنه بتنوين، يحدث هذا في حالي الرفع والجر، أما في حال النصب فتبقى الياء ونضيف ألفاً لتحمل التنوين: كنت به راضياً.
وقرأت لكاتب آخر ما هو أشنع من هذا، فمن أبسط القواعد قاعدة الحروف المشبهة بالفعل (إن وأخواتها): تدخل على المبتدأ والخبر فتنصب الأول ويسمى اسمها، وترفع الثاني ويسمى خبرها، وهي في هذا عكس الأفعال الناقصة (كان وأخواتها) وأجد كاتباً ذا اسم مشهور يقول: «لأنني مختصاً» يا ناس، ارحموا هذه اللغة وارحمونا.
الفعل المنقوص (الذي ينتهي بياء) مثل: يحني، يثني، يجني، يشتري، والمقصور (الذي ينتهي بألف مقصورة) مثل: يرضى، يبقى، والمعتل الآخر بواو مثل: يرجو، يحبو، والفعل الأجوف الذي يكون وسطه حرف علة مثل: انحاز، اشتاق، تبدو هذه الأفعال مشكلة لمن يكتبون ومن يقرؤون على السواء. كتب أحد الكتاب «لم تسْهُ المراسلة» وواضح أن أصل الفعل «تسهو» وحذف حرف العلة (الواو) لأنه مجزوم، ولكن قراءة الفعل صعبة على القارئ العادي، فما الذي كان يمنع الكاتب من القول «لم تغفل»، يشبه هذا ما يرد في الإعلانات «اشتري» وهم لا ينتبهون ولا يعلمون أن فعل «اشترى» وما على وزنه يحذف منه حرف العلة إذا كان بصيغة الأمر. وقال هذا الكاتب أيضاً «لم يكن كمّ المديح الذي كالتْهُ» والخطأ هنا في استخدام فعل «كالته» هذا يشبه التقعر، وقبل ذلك كان الأفضل للكاتب ألا يورد كلمة «كمّ» ويقول مباشرة «لم يكن المديح».
ما من كلمة مختلف فيها تتكرر كثيراً في الكتابات والأحاديث العربية مثل كلمة «بعض» والخلاف حول جواز تعريفها بـ «ال» التعريف قديم جداً يعود إلى القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، بعض الشيء: طائفة أو جزء منه. واستعمل الزجاجي بعضاً بالأَلف واللام فقال: وإِنما قلنا البَعْض والكل مجازاً، وعلى استعمال الجماعة لهُ مُسامحة، وهو في الحقيقة غير جائز. وقال ابن المقفع: هذا العِلْمُ كثيرٌ ولكن أَخْذُ البعضِ خيرٌ مِنْ تَرْكِ الكل، فأَنكر عليه الأصمعي هذا ورفضه. وكثيراً ما نقرأ ونسمع: يجب على العرب والمسلمين أن يحاوروا بعضهم، والمقصود: أن يتحاوروا، لكن القول يعني أن على العرب والمسلمين أن يحاوروا طائفة منهم. ونقرأ أيضاً: إن علينا ألا نختلف فيما بين بعضنا البعض، وهذا خطأ أيضاً، وآخر من قرأت له خطأ في استعمال بعض الكاتب الذي سميت ذا اللغة الرشيقة، وهو من أكبر الكتاب الصحفيين إذ قال: لا يعرفان بعضهما بعضاً، وهو خطأ شنيع، لأن «بعضه» تعني جزءاً أو عضواً منه، هل تذكرون موشح ابن زهر الحفيد الذي قال فيه:
عَشِيت عينايَ من طولِ البُكا وبكى بعضي على بعضي معي
كان على الكاتب الكبير أن يقول: لا يعرف أحدهما الآخر، ليبتعد عن ورطة التعامل مع «بعض» بهذه الطريقة المضحكة.
بعض الأخطاء المطبعية أو أخطاء المحررين والكتاب مفيدة لأنها تقودنا إلى اكتشافات جميلة، كتب أحدهم مقالة أورد فيها بيتاً من شعر الجواهري:
بغدادُ كانَ المجدُ عنكِ قَيْنَةً تلهو وعُوداً يَستحثُّ الضَّاربا
ومن الواضح أن البيت مختل عروضياً، وأصل البيت
بغدادُ كانَ المجدُ عندكِ قَيْنَةً تلهو وعُوداً يَستحثُّ الضَّاربا
وهي مبالغة رائعة من أبي فرات، وقد ذكرتني بمبالغة جميلة أخرى من سعيد عقل الذي كتب للشام أجمل القصائد، واستمتعنا ببعضها بألحان الأخوين رحباني وصوت فيروز المعجز، ومن هذه القصائد واحدة بعنوان «سائليني يا شآم» ويقول سعيد عقل فيها بمبالغة جميلة:
أمويون فإن ضقت بهم ألحقوا الدنيا ببستان هشام
وهشام المذكور هشام بن عبد الملك وكان شديد الاهتمام بالعمران وبناء الجسور والقصور والحدائق والبساتين.
كتب أحد الأصدقاء: «وتضوّأت في ذهني» ومن الواضح أنها كلمة قليلة الاستعمال، وهي مشتقة من الفعل «ضاء» وضاءَ الشيءُ يَضُوءُ ضَوْءاً وضُوءاً وأَضاءَ يُضِيءُ. يقال: ضاءَتْ وأَضاءَت أَي اسْتَنارَتْ، وصارَت مُضِيئةً. أَضاءَتِ النارُ وأَضاءَها غيرُها، وهو الضَّوْءُ والضُّوءُ، وأَمَّا الضِّياءُ، فلا همز في يائه. وأَضاءَه له واسْتَضَأْتُ به. وضَوَّأْتُه به وضَوَّأْتُ عنه.
التَّضَّوُّؤُ: أَن يَقوم الإِنسانُ في ظُلْمةٍ حيث يَرى بَضَوْءِ النار أَهْلَها، وكل هذا مشتق من الضوء، وقد طال الشرح، لكن! ألم يكن أفضل للكاتب أن يقول: ضاءت أو أضاءت أو توهجت؟ قالت عائشة رضي الله عنها: ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
كتبت مرات عدة أن لغة المقالات الصحفية (أو معظمها) توحي لنا بأن الكتاب كتبوا بالإنجليزية ثم ترجم «غوغل» المقال. ليس الخطأ دائماً نحوياً أو صرفياً، بل قد يكون في ركاكة التعبير وبشاعة الجملة، اقرؤوا هذه الجملة «الولايات المتحدة يبدو أنها باتت تشعر بانفلات الأمر من يدها» أليست هذه هي الركاكة بعينها؟ نعيد ترتيب الكلمات ولاحظوا كيف صارت الجملة انسيابية «يبدو أن الولايات المتحدة باتت تشعر» مع تحفظنا على فعل «تشعر» والأفضل له أن يقول «تدرك» فلا علاقة للمشاعر والأحاسيس بالأمر.
نبهنا كثيراُ إلى هذا الخطأ الذي يتكرر في مقالات الكتاب (صغارهم وكبارهم) وأحاديث المتحدثين، كما كتب أحدهم «إن مثل هكذا طريقة» هذا ليس تعبيراً عربياً فصيحاً. هكذا تتكون من ثلاث كلمات: ها للتنبيه، وحرف الكاف للتشبيه، وذا اسم إشارة، فما ضرورة التنبيه؟ وهل شبهت الجملة شيئاً بشيء أو أحداً بآخر؟ لو كان الكاتب يتقن لغته، أو لو أن المدقق اللغوي انتبه إلى الخطأ، لغير أي منهما التعبير إلى «إن طريقة كهذه» ولنجا من الخطأ.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين