كتاب وأراء

وعد بُلْفور ولعْنة الدِّماء


- 1 -
رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، وقفت أمام مجلس العموم البريطاني بكل عدم شعور بالمسؤولية التاريخية إزاء ما ترتب على وعد بلفور من كوارث وانتهاكات لحقوق الإنسان في أبسط متطلباتها، حق الأرض والوجود والهُوية، وقفت لتقول: «نحن فخورون بالدور الذي لعبناه في إقامة إسرائيل، وسوف نحتفل بالتأكيد بالذكرى المئوية».
وزير خارجيتها بوريس جونسون كتب في مقالٍ له في صحيفة «تليغراف» البريطانية: أن وعد بلفور «كان لا غِنىً عنه لإقامة دولة» وصفها بـ«العظيمة».
وقال جونسون: «في العقود السبعة التي انقضت منذ إقامتها، انتصرت إسرائيل على العداء المرير في بعض الأوقات من جيرانها لتصبح ديمقراطية ليبرالية، واقتصاداً ديناميكياً عالي التقنية».
- 2 -
ما كان للحكومة البريطانية أن تبدي هذه المشاعر الشائهة والمستفزة للفلسطينيين والشعوب العربية والإسلامية لولا تقديرها أن جذوة هذه القضية بدأت في الخبو، ولم تعدْ تجد سندَها التاريخي من الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية والإسلامية.
كما أن هذا الاحتفال الاستفزازي تغازل من خلاله الحكومة البريطانية التيارات القومية الأعلى صوتاً في أوروبا الآن.
إضافة إلى ضعف وغياب الدور العربي والإسلامي في التأثير على الرأي العام العالمي بشكل عام، والبريطاني بشكل خاص.
- 3 -
لا يغيب علينا أن العلاقات التقليدية والتاريخية بين بريطانيا و«إسرائيل» من أقوى العلاقات الدولية، كان أساسها رسالة وزير خارجية بريطانيا الأسبق آرثر جيمس بلفور عام 1917، إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية العالمية اللورد ليونيل روتشيلد، بتأييد بريطانيا إنشاء «وطن قومي لليهود في فلسطين»، وتأكيدها أنها ستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية.
ما ستكتشفه بريطانيا وصحيباتها قريباً وليس بعيداً، أن بذلك الاحتفال الاستفزازي ستعيد للقضية الفلسطينة جذوتها وقوة دفعها الثوري، وستعود لتصبح ضمن الأجندة الدولية غير القابلة للتجاوز أو التجاهل.
- 4 -
الاحتفال بوعد بلفور، هو احتفال بكل ما ترتب عليه من أوضاع متجاوزة كل المعايير الإنسانية المضمنة مواثيق حقوق الإنسان والشعوب.
كان الأولى لبريطانيا أن تستغل هذه المناسبة لتصحيح خطيئتها التاريخية لا الاحتفاء بها.
كان عليها أن تراجع نفسها ولو باعتذار أدبي عما ترتب على ذلك الوعد المشؤوم من كوارث وانتهاكات، وأن تتحمل مسؤولية خطئها التاريخي الذي ارتكبته بحق الشعب الفلسطيني.
- 5 -
دولة إسرائيل التي اعتبرها وزير الخارجية البريطانية بوريس جونسون، قلعة الديمقراطية الليبرالية في المنطقة وصاحبة الاقتصاد الأقوى والأعلى تقنياً، استخدمت على الدوام سياسة البطش وارتكاب المجازر لتحقيق أهدافها في فلسطين والمنطقة العربية كذلك، وقد لخصت عبارة بن غوريون (أول رئيس وزراء إسرائيلي)، منهجها وسياستها عندما قال: «إن الوضع في فلسطين سيسوى بالقوة العسكرية».
- 6 -
الاحتفال بوعد بلفور هو تأييد لنهج بن غوريون ومن اتبعه «شامير ورابين وباراك ونتانياهو»، ذلك النهج الذي أنتج مذابح دير ياسين، ومجزرة الطنطورة، ومجزرة قرية بلد الشيخ، والصفصاف، وعيلوط، وعرب المواسي ومجازر صبرا وشاتيلا، ومقتل 29 مصلِّيا بالمسجد الأقصى على يد السفاح «غولدشتاين»، إلى مجزرة غزة في الألفية الثالثة.
في قطاع غزة، استُشْهِدَ (2174) فلسطينياً، وجُرِحَ ما يزيد على (10870) آخرين، وفقدان (145) عائلة فلسطينية، كامل أو غالبية أفرادها، فضلاً عن هدم وتدمير (17132) منزلاً و(62) مسجداً، و(11) مقبرة، جرَّاء القصف المتواصل، وسقط على قطاع غزة في تلك المجازر (8210) صواريخ جوية، و(15736) قذيفة بحرية، و(36718) قذيفة برية.
-أخيراً-
الاحتفال بمئوية وعد بلفور هو تأكيد على أن بريطانيا الاستعمارية لا تزال حاضرة إلى اليوم، بتفكيرها وعقليتها ومنهجها رغم الادعاءات والمزاعم العِراض بالتحضر ومراعاة الحقوق ونبذ العنف في فرض قوة الأمر الواقع على الشعوب.
وعد بلفور يستحق الاعتذار لا الاحتفاء.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال